تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3287

مساهمون:

ص٣٢٨٧
الوسيلة لمن يريد اللّه بهم السوأى ليكسبوا ما يستحقون عليه غضبه وعذابه . وكل ميسر لما خلق له . وفق ما يعلمه اللّه من سره ودخيلته . ومن ثم يكشف عن مصير الذين يقتلون في سبيل اللّه :
« وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ ، وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ »
. . لن يضل أعمالهم . . في مقابل ما جاء عن الذين كفروا أنه أضل أعمالهم . فهي أعمال مهتدية واصلة مربوطة إلى الحق الثابت الذي صدرت عنه ، وانبعثت حماية له ، واتجاها إليه . وهي باقية من ثم لأن الحق باق لا يهدر ولا يضيع . ثم نقف أمام هذه الحقيقة الهائلة . . حقيقة حياة الشهداء في سبيل اللّه . . فهي حقيقة مقررة من قبل في قوله تعالى :
« وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ »
. . ولكنها تعرض هنا عرضا جديدا . تعرض في حالة امتداد ونماء في طريقها الذي غادرت الحياة الدنيا وهي تسلكه وتتوخاه . طريق الطاعة والهداية والتجرد والنقاء :
« سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ »
. . فاللّه ربهم الذي قتلوا في سبيله ، يظل يتعهدهم بالهداية - بعد الاستشهاد - ويتعهدهم بإصلاح البال ، وتصفية الروح من بقية أوشاب الأرض ؛ أو يزيدها صفاء لتتناسق مع صفاء الملأ الأعلى الذي صعدت إليه ، وإشراقه وسناه . فهي حياة مستمرة في طريقها لم تنقطع إلا فيما يرى أهل الأرض المحجوبون . وهي حياة يتعهدها اللّه ربها في الملأ الأعلى . ويزيدها هدى . ويزيدها صفاء ، ويزيدها إشراقا . وهي حياة نامية في ظلال اللّه . وأخيرا يحقق لهم ما وعدهم :
« وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ »
. . وقد ورد حديث عن تعريف اللّه الجنة للشهداء رواه الإمام أحمد في مسنده قال : حدثنا زيد بن نمر الدمشقي ، حدثنا ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، عن كثير بن مرة ، عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « يعطى الشهيد ست خصال : عند أول قطرة من دمه ، تكفر عنه كل خطيئة ؛ ويرى مقعده من الجنة ، ويزوج من الحور العين ، ويأمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر ، ويحلى حلة الإيمان » . . تفرد به أحمد . وقد روى حديثا آخر قريبا من هذا المعنى . وفيه النص على رؤية الشهيد لمقعده من الجنة . أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجة . فهذا تعريف اللّه الجنة للشهداء في سبيله . وهذه هي نهاية الهداية الممتدة ، وإصلاح البال المستأنف بعد مغادرتهم لهذه الأرض . ونماء حياتهم وهداهم وصلاحهم هناك عند اللّه . وفي ظل هذه الكرامة للذين قتلوا في سبيل اللّه . وفي ظل ذلك الرضى ، وتلك الرعاية ، وبلوغ ذلك المقام . يحرض اللّه المؤمنين على التجرد للّه ، والاتجاه إلى نصرة نهجه في الحياة ؛ ويعدهم على هذا النصر والتثبيت في المعركة ؛ والتعس والضلال لأعدائهم وأعدائه :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ »
. .