وآكد في تقرير هذه الحقيقة . ثم يجيء التعقيب الشامل :
« إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون .
وعند ذكر الإحياء يرتسم مشهد الحساب كأنه شاخص للعيون :
« وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ . أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ قالُوا : بَلى وَرَبِّنا . قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. .
يبدأ المشهد حكاية أو مقدمة لحكاية :
« وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ »
. .
وبينما السامع في انتظار وصف ما سيكون ، إذا المشهد يشخص بذاته . وإذا الحوار قائم في المشهد المعروض :
« أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ »
. .
ويا له من سؤال ؟ بل يا لها من قارعة للذين كانوا يكذبون ويستهزءون ويستعجلون ، واليوم تتلوى أعناقهم على الحق الذي كانوا ينكرون .
والجواب في خزي وفي مذلة وفي ارتياع :
« بلى . وربنا » . .
هكذا هم يقسمون :
« وَرَبِّنا »
. . ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه ، ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون له بربوبية . ثم هم اليوم يقسمون به على الحق الذي أنكروه ! عندئذ يبلغ السؤال غاية من الترذيل والتقريع ، ويقضى الأمر ، وينتهي الحوار :
« قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. .
« كلمة ورد غطاها » . . كما يقال ! الجريمة ظاهرة . الجاني معترف . فإلى الجحيم ! وسرعة المشهد هنا مقصودة . فالمواجهة حاسمة ، ولا مجال لأخذ ولا رد . لقد كانوا ينكرون .
فالآن يعترفون . والآن يذوقون ! وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا ، وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر . وفي ختام السورة التي عرضت مقولات الكافرين عن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وعن القرآن الكريم . . يجيء الإيقاع الأخير . توجيها للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يصبر عليهم ، ولا يستعجل لهم ، فقد رأى ما ينتظرهم ، وهو منهم قريب :
« فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ . بَلاغٌ . فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ »
. .
وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم ؛ وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال ، والمعاني والإيحاءات ، والقضايا والقيم .
« فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ . وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ »
. .
توجيه يقال لمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - وهو الذي احتمل ما احتمل ، وعانى من قومه ما عانى . وهو