أصوله . فهم إذن كانوا يعرفون كتاب موسى ، فأدركوا الصلة بين الكتابين بمجرد سماع آيات من هذا القرآن ، قد لا يكون فيها ذكر لموسى ولا لكتابه ، ولكن طبيعتها تشي بأنها من ذلك النبع الذي نبع منه كتاب موسى .
وشهادة هؤلاء الجن البعيدين - نسبيا - عن مؤثرات الحياة البشرية ، بمجرد تذوقهم لآيات من القرآن ، ذات دلالة وذات إيحاء عميق .
ثم عبروا عما خالج مشاعرهم منه ، وما أحست ضمائرهم فيه ، فقالوا عنه :
« يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ »
. .
ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل ضخم ، لا يقف له قلب غير مطموس ؛ ولا تصمد له روح غير معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامح اللئيم . ومن ثم لمس هذه القلوب لأول وهلة ، فإذا هي تنطق بهذه الشهادة ، وتعبر عما مسها منه هذا التعبير .
ثم مضوا في نذارتهم لقومهم في حماسة المقتنع المندفع ، الذي يحس أن عليه واجبا في النذارة لا بد أن يؤديه :
« يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ، وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ »
. .
فقد اعتبروا نزول هذا الكتاب إلى الأرض دعوة من اللّه لكل من بلغته من إنس وجن ؛ واعتبروا محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - داعيا لهم إلى اللّه بمجرد تلاوته لهذا القرآن واستماع الثقلين له : فنادوا قومهم :
« يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ »
. .
وآمنوا كذلك بالآخرة ، وعرفوا أن الإيمان والاستجابة للّه يكون معهما غفران الذنب والإجارة من العذاب .
فبشروا وأنذروا بهذا الذي عرفوه .
ويروي ابن إسحاق أن مقالة الجن انتهت عند هذه الآية . ولكن السياق يوحي بأن الآيتين التاليتين هما من مقولات النفر أيضا . ونحن نرجح هذا وبخاصة الآية التالية :
« وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ . أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. .
فهي تكملة طبيعية لنذارة النفر لقومهم فقد دعوهم إلى الاستجابة والإيمان . فالاحتمال قوي وراجح أن يبينوا لهم أن عدم الاستجابة وخيم العاقبة . وأن الذي لا يستجيب لا يعجز اللّه أن يأتي به ويوقع عليه الجزاء . ويذيقه العذاب الأليم ؛ فلا يجد له من دون اللّه أولياء ينصرونه أو يعينونه . وأن هؤلاء المعرضين ضالون ضلالا بينا عن الصراط المستقيم .
وكذلك الآية التي بعدها يحتمل كثيرا أن تكون من كلامهم ، تعجيبا من أولئك الذين لا يستجيبون للّه ؛ حاسبين أنهم سيفلتون ، أو أنه ليس هناك حساب ولا جزاء :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ؟ بَلى . إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
وهي لفتة إلى كتاب الكون المنظور ، الذي ورد ذكره في أول السورة . وكثيرا ما يتضمن السياق القرآني مثل هذا التناسق بين قول مباشر في السورة ، وقول مثله يجيء في قصة ، فيتم التطابق بين مصدرين على الحقيقة الواحدة .
وكتاب الكون يشهد بالقدرة المبدعة ابتداء لهذا الخلق الهائل : السماوات والأرض . ويوحي للحس البشري بيسر الإحياء بعد الموت . وهذا الإحياء هو المقصود . وصياغة القضية في أسلوب الاستفهام والجواب أقوى