وهذا التعقيب يجيء قبل إتمام الحكم لإيقاظ القلوب ، وتربية النفوس ، وتنبيهها إلى قيام اللّه على الأمر بخبرته وعلمه بظاهره وخافيه . ثم يتابع بيان الحكم فيه :
« فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا . فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً »
. . .
ثم التعقيب للبيان والتوجيه :
« ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ »
. . . وهم مؤمنون . . ولكن هذا البيان ، وهذه الكفارات وما فيها من ربط أحوالهم بأمر اللّه وقضائه . . ذلك مما يحقق الإيمان ، ويربط به الحياة ؛ ويجعل له سلطانا بارزا في واقع الحياة .
« وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ »
. . أقامها ليقف الناس عندها لا يتعدونها . وهو يغضب على من لا يرعاها ولا يتحرج دونها :
« وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. . بتعديهم وتحديهم وعدم إيمانهم وعدم وقوفهم عند حدود اللّه كالمؤمنين . .
وتلك العبارة الأخيرة :
« وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. . تناسب ختام الآية السابقة ، وهي في الوقت ذاته قنطرة تربط بينها وبين الآية اللاحقة التي تتحدث عمن يحادّون اللّه ورسوله . على طريقة القرآن في الانتقال من حديث لحديث في تسلسل عجيب :
« إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ . يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »
. .
إن المقطع الأول في السورة كان صورة من صور الرعاية والعناية بالجماعة المسلمة . وهذا المقطع الثاني صورة من صور الحرب والنكاية للفريق الآخر . فريق الذين يحادون اللّه ورسوله ، أي الذين يأخذون لهم موقفا عند الحد الآخر في مواجهة اللّه ورسوله ! وذكر المحادّة بمناسبة ذكره قبلها لحدود اللّه . فهؤلاء لا يقفون عند حد اللّه ورسوله ، بل عند الحد الآخر المواجه ! وهو تمثيل للمتخاصمين المتنازعين ، لتفظيع عملهم وتقبيح موقفهم .
وساء موقف مخلوق يتحدى فيه خالقه ورازقه ، ويقف في تبجح عند الحد المواجه لحده ! هؤلاء المحادون المشاقون المتبجحون :
« كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
. . والأرجح أن هذا دعاء عليهم .
والدعاء من اللّه - سبحانه - حكم . فهو المريد وهو الفعال لما يريد . والكبت القهر والذل . والذين من قبلهم إما أن يكونوا هم الغابرين من الأقوام الذين أخذهم اللّه بنكاله وإما أن يكونوا الذين قهرهم المسلمون في بعض المواقع التي تقدمت نزول هذه الآية ، كما حدث في غزوة بدر مثلا .
« وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ »
. .
تفصل هذه العبارة بين مصير الذين يحادون اللّه ورسوله في الدنيا ومصيرهم في الآخرة . . لتقرير أن هذا المصير وذاك تكفلت ببيانه هذه الآيات . وكذلك لتقرير أنهم يلاقون هذه المصائر لا عن جهل ولا عن غموض في الحقيقة ، فقد وضحت لهم وعلموها بهذه الآيات البينات .
ثم يعرض مصيرهم في الآخرة مع التعقيب الموحي الموقظ المربي للنفوس :
« وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ . يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »
. .