المتعال ، العظيم الجليل ، القهار المتكبر ، الذي له ملك السماوات والأرض وهو الغني الحميد .
تقول عائشة - رضي اللّه عنها - : الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات . لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في جانب البيت ، ما أسمع ما تقول . فأنزل اللّه عزّ وجل :
« قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ
. . . الآية » « 1 » .
وفي رواية خولة - أو خويلة للتصغير والتدليل - للحادث ، وتصرفها هي فيه ، وذهابها إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومجادلتها له ، ونزول القرآن بالحكم . . في هذا كله صورة من حياة تلك الجماعة الفريدة في تلك الفترة العجيبة . وشعورها بتلك الصلة المباشرة ، وانتظارها التوجيه من السماء في كل شأن من شؤونها واستجابة السماء لهذا الانتظار ، الذي يجعل الجماعة كلها - عيال اللّه - هو يرعاها وهي تتطلع إليه تطلع الطفل الصغير لأبيه وراعيه ! وننظر في رواية الحادث في النص القرآني ، فنجد عناصر التأثير والإيحاء والتربية والتوجيه تسير جنبا إلى جنب مع الحكم وتتخلله وتعقب عليه ، كما هو أسلوب القرآن الفريد :
« قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ »
. .
وهو مطلع ذو إيقاع عجيب . . إنكما لم تكونا وحدكما . . لقد كان اللّه معكما . وكان يسمع لكما . لقد سمع قول المرأة . سمعها تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اللّه . وعلم القصة كلها . وهو يعلم تحاور كما وما كان فيه . .
إن اللّه سميع بصير . يسمع ويرى . هذا شأنه وهذه صورة منه في الحادث الذي كان اللّه ثالثكما فيه . .
وكلها إيقاعات ولمسات تهز القلوب . .
ثم يقرر أصل القضية ، وحقيقة الوضع فيها :
« الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ . إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ . وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ »
. .
فهو علاج للقضية من أساسها . إن هذا الظهار قائم على غير أصل . فالزوجة ليست أما حتى تكون محرمة كالأم . فالأم هي التي ولدت . ولا يمكن أن تستحيل الزوجة أما بكلمة تقال . إنها كلمة منكرة ينكرها الواقع .
وكلمة مزورة ينكرها الحق . والأمور في الحياة يجب أن تقوم على الحق والواقع ، في وضوح وتحديد ، فلا تختلط ذلك الاختلاط ، ولا تضطرب هذا الاضطراب . .
« وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ »
فيما سلف من هذه الأمور .
وبعد تقرير أصل القضية على هذا النحو المحدد الواضح يجيء الحكم القضائي في الموضوع .
« وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا . ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ »
. .
وقد جعل اللّه العتق في كفارات متنوعة ، وسيلة من وسائل التحرير للرقاب التي أوقعها نظام الحروب في الرق إلى أجل ، ينتهي بوسائل شتى هذه واحدة منها . وهناك أقوال كثيرة في معنى :
« ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا »
. .
نختار منها أنهم يعودون إلى الوطء الذي حرموه على أنفسهم بالظهار . فهذا أقرب ما يناسب السياق . فتحرير رقبة من قبل العودة إلى حله . . ثم التعقيب :
« ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ »
. . فالكفارة مذكر وواعظ بعدم العودة إلى الظهار الذي لا يقوم على حق ولا معروف
« وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ »
. . خبير بحقيقته ، وخبير بوقوعه ، وخبير بنيتكم فيه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري والنسائي .