« وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ »
. . قريب التناول ، لا يتعب في قطاف .
ولكن هذا لا يستقصي ما فيهما من رفاهة ومتاع . فهناك بقية بهيجة لهذا المتاع :
« فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ »
. . فهن عفيفات الشعور والنظر . لا تمتد أبصارهن إلى غير أصحابهن ، مصونات لم يمسسهن إنس ولا جن .
وهن - بعد هذا - ناضرات لامعات :
« كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ »
.
ذلك كله جزاء من خاف مقام ربه ، وعبده كأنه يراه ، شاعرا أن ربه يراه ، فبلغ بذلك مرتبة الإحسان كما وصفها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فنالوا جزاء الإحسان من عطاء الرحمن :
« هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ؟ »
وفي معرض الإنعام والإحسان ، كان التعقيب يجيء في موضعه بعد كل فقرة :
« فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ »
والآن إلى الفريق الآخر صاحب الجنتين الأخريين .
« وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ »
. . وأوصافهما أدنى من الجنتين السابقتين . فهما :
« مُدْهامَّتانِ »
. . أي مخضرتان خضرة تميل إلى السواد لما فيهما من أعشاب .
« فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ »
. . تنضبان بالماء . وهذا دون الجريان !
« فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ »
. . وهناك :
« مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ »
« فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ »
. . بسكون ياء خيرات أو بتشديدها على الوصف . وتأويل الخيرات بالسكون أو الخيرات بالتشديد في الآية التالية :
« حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ »
. . وتلقي الخيام ظل البداوة . فهو نعيم بدوي أو يمثل مطالب أهل البداوة . .
والحور مقصورات . أما حور الجنتين السابقتين فهن قاصرات الطرف .
« لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ »
. . فهن يشتركن مع زميلاتهن هناك في الصون والعفاف .
أما أهل هاتين الجنتين فنحن ننظرهما :
« مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ »
. . والرفرف الأبسطة وكأنها من صنع « عبقر » لتقريب وصفها إلى العرب ، وقد كانوا ينسبون كل عجيب إلى وادي الجن : عبقر ! ولكن المتكآت هناك بطائنها من إستبرق .
وهناك جنى الجنتين دان فهما مرتبتان مختلفتان ! وهناك كذلك كان التعقيب بعد كل صفة للجنتين ونعيمهما :
« فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ »
.
وفي ختام السورة التي استعرضت آلاء اللّه في الكون ، وآلاءه في الخلق ، وآلاءه في الآخرة . يجيء الإيقاع الأخير ، تسبيحا باسم الجليل الكريم ، الذي يفني كل حي ، ويبقى وجهه الكريم .
« تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ »
. .
أنسب ختام لسورة الرحمن . .