وهي إشارة سريعة تلمس القصة لمسة واحدة بدون إيضاح . كأنما ليقال : واذكر قوم نوح . وقد وردت
« قَوْمَ »
منصوبة وبدون لفظ « في » بتقدير كلمة « اذكر » قبلها . وتلتها
« وَالسَّماءَ بَنَيْناها . . »
معطوفة عليها . .
وهذه آية كونية ، وتلك آية تاريخية . يربطهما السياق معا ، ويربط بهما هذا القطاع بالقطاع الثالث في السورة . .
« وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ ، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ، وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ . وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ »
. .
إنها عودة إلى المعرض الكوني الذي افتتحت به السورة ، في صورة من صوره الكثيرة التي يجلوها القرآن للقلوب . واستطراد في الإشارة إلى آيات اللّه هنا وهناك ، يصل آية نوح بآية السماء وآية الأرض وآية الخلائق .
ثم يخلص به إلى ذلك الهتاف بالبشر ليفروا إلى اللّه موحدين متجردين .
« وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ »
. .
والأيد : القوة . والقوة أوضح ما ينبئ عنه بناء السماء الهائل المتماسك المتناسق . بأي مدلول من مدلولات كلمة السماء . سواء كانت تعني مدارات النجوم والكواكب . أم تعني مجموعة من المجموعات النجمية التي يطلق عليها اسم المجرة وتحوي مئات الملايين من النجوم . أم تعني طبقة من طبقات هذا الفضاء الذي تتناثر فيه النجوم والكواكب . . أم غير هذا من مدلولات كلمة السماء .
والسعة كذلك ظاهرة فهذه النجوم ذات الأحجام الهائلة والتي تعد بالملايين ، لا تعدو أن تكون ذرات متناثرة في هذا الفضاء الرحيب .
ولعل في الإشارة إلى السعة إيحاء آخر إلى مخازن الأرزاق التي قال من قبل : إنها في السماء ولو أن السماء هناك مجرد رمز إلى ما عند اللّه . ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالا معينة ، يبدو أنها مقصودة في التعبير ، لخطاب المشاعر البشرية خطابا موحيا .
ومثلها الإشارة الأخرى إلى الأرض الممهودة المفروشة :
« وَالْأَرْضَ فَرَشْناها . فَنِعْمَ الْماهِدُونَ »
. .
فقد أعد اللّه هذه الأرض لتكون مهدا للحياة كما أسلفنا . والفرش يوحي باليسر والراحة والعناية . وقد هيئت الأرض لتكون محضنا ميسرا ممهدا ، كل شيء فيه مقدر بدقة لتيسير الحياة وكفالتها :
« فَنِعْمَ الْماهِدُونَ »
. .
« وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »
. .
وهذه حقيقة عجيبة تكشف عن قاعدة الخلق في هذه الأرض - وربما في هذا الكون . إذ أن التعبير لا يخصص الأرض - قاعدة الزوجية في الخلق . وهي ظاهرة في الأحياء . ولكن كلمة
« شَيْءٍ »
تشمل غير الأحياء أيضا .
والتعبير يقرر أن الأشياء كالأحياء مخلوقة على أساس الزوجية .
وحين نتذكر أن هذا النص عرفه البشر منذ أربعة عشر قرنا . وأن فكرة عموم الزوجية - حتى في الأحياء - لم تكن معروفة حينذاك . فضلا على عموم الزوجية في كل شيء . . حين نتذكر هذا نجدنا أمام أمر عجيب عظيم . . وهو يطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكرة كل التبكير ! كما أن هذا النص يجعلنا نرجح أن البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول إلى الحقيقة . وهي تكاد تقرر أن بناء الكون كله يرجع إلى الذرة . وأن الذرة مؤلفة من زوج من الكهرباء : موجب وسالب ! فقد