تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3383

مساهمون:

ص٣٣٨٣
« فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها . وَقالَتْ : عَجُوزٌ عَقِيمٌ »
. . وقد سمعت البشرى ، فبغتت وفوجئت ، فندت منها صيحة الدهش ، وعلى عادة النساء ضربت خديها بكفيها . وقالت : عجوز عقيم . تنبئ عن دهشتها لهذه البشرى وهي عجوز . وقد كانت من الأصل عقيما . وقد أخذتها المفاجأة العنيفة التي لم تكن تتوقعها أبدا ، فنسيت أن البشرى تحملها الملائكة ! عندئذ ردها المرسلون إلى الحقيقة الأولى . حقيقة القدرة التي لا يقيدها شيء ، والتي تدبر كل أمر بحكمة وعلم :
« قالُوا : كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ ، إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ »
. . وكل شيء يكون إذا قيل له : كن . وقد قال اللّه . فما ذا بعد قوله ؟ إن الألفة والعادة تقيدان الإدراك البشري ، وتحدان من تصوراته . فيدهش إذ يرى ما يخالف المألوف له ؛ ويعجب كيف يكون ؛ وقد يتبجح فينكر أن يكون ! والمشيئة المطلقة ماضية في طريقها لا تتقيد بمألوف البشر الصغير المحدود ؛ تبدع ما تشاء ، بغير ما حدود أو قيود ! عند ذلك راح إبراهيم يسأل وقد عرف حقيقة ضيفه عن شأنهم الذي أرسلوا فيه :
« قالَ : فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ؟ »
. .
« قالُوا : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ »
. . هم قوم لوط . كما ورد في سور أخرى .
« لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ »
. . وهذه الحجارة الطينية المعلمة أو المعدة المجهزة عند اللّه للمسرفين المتجاوزين الحق - وقوم لوط كانوا مسرفين في تجاوزهم للفطرة والحق والدين - لا يمتنع أن تكون حجارة بركان ثائر يقذف بالحمم الطيني من جوف الأرض . فهي
« عِنْدَ رَبِّكَ »
بهذا الاعتبار مسلطة - وفق إرادته ونواميسه - على من يريد من المسرفين . مقدرة بزمانها ومكانها وفق علمه وتدبيره القديم . وأن يتولى إرسالها - في اطار إرادته ونواميسه - ملائكته . وهل ندري نحن حقيقة ملائكته ؟ وهل ندري حقيقة علاقتهم بهذا الكون ومن فيه وما فيه ؟ وهل ندري حقيقة القوى الكونية التي نسميها من عندنا أسماء بحسب ظواهرها التي تتكشف لنا بين الحين والحين ؟ وما لنا نعترض على خبر اللّه لنا أنه سلط بعض هذه القوى في وقت ما ، لترسل بعض هذه القوى في صورة ما ، على قوم ما ، في أرض ما ، ما لنا نعترض على خبر اللّه لنا ، ونحن ما نزال كل ذخيرتنا من المعرفة فروض ونظريات وتأويلات لظواهر تلك القوى . أما حقيقتها فهي عنا بعيدة ؟ ! فلتكن حجارة بركانية أو لتكن حجارة أخرى فهذه كتلك في يد اللّه ، ومن صنعه ، وسرها غيب عنده يكشفه حين يشاء !
« فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
. . لإنجائهم وحمايتهم . .
« فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ »
: هم بيت النبي لوط . كما ورد في مواضع أخرى . فكانوا هم الناجين إلا امرأته كانت من المهلكين .
« وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ »
. . فالذين يخافون هم الذين يرون الآية ويدركونها وينتفعون بها . أما الآخرون فمطموسون لا يرون آيات اللّه . لا في الأرض ولا في أنفسهم ولا في أحداث التاريخ ! وآية أخرى في قصة موسى ، يشير إليها إشارة سريعة في معرض الآيات في تاريخ المرسلين :
« وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ . فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ ، وَهُوَ مُلِيمٌ »
. . والسلطان المبين الذي أرسل اللّه به موسى إلى فرعون ، هو الحجة القوية ، والبرهان القاطع ، وهو الهيبة الجليلة
في ظلال القرآن — صفحة 3383 | سيد قطب