إنما يكابر المشركون ويعاندون لمجرد المكابرة والعناد ، لا لضعف الحجة ولا لقصور الدليل ؛ فلو جاءهم به أعجمي لا ينطق العربية فتلاه عليهم قرآنا عربيا ما آمنوا به ، ولا صدقوه ، ولا اعترفوا أنه موحى به إليه ، حتى مع هذا الدليل الذي يجبه المكابرين :
« وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ »
. .
وفي هذا تسرية عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتصوير لعنادهم ومكابرتهم في كل دليل . ثم يعقب على هذا بأن التكذيب مكتوب على القوم ملازم لهم بحكم عنادهم ومكابرتهم . فهكذا قضي الأمر أن يتلقوه بالتكذيب ، كأنه طبع في قلوبهم لا يحول . حتى يأتيهم العذاب وهم في غفلة لا يشعرون :
« كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ، فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »
. .
والتعبير يرسم صورة حسية لملازمة التكذيب لهم . فيقول : إنه على هذه الهيئة . هيئة عدم الإيمان والتكذيب بالقرآن . على هذه الهيئة نظمناه في قلوبهم وأجريناه . فهو لا يجري فيها إلا مكذبا به . ويظل على هيئته هذه في قلوبهم
« حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ »
. .
« فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »
. . وقد بقي بعضهم فعلا على هذا الوضع حتى فارق هذه الأرض بالقتل أو الموت ، ومن ثم إلى العذاب الأليم . . وفي هذه اللحظة فقط يفيقون :
« فَيَقُولُوا : هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ؟ »
. .
هل نحن مؤجلون إلى فرصة أخرى ، نصلح بها ما فات . وهيهات هيهات ! ولقد كانوا يستعجلون عذاب اللّه ، على سبيل الاستهزاء والاستهتار ، واغترارا بما هم فيه من متاع ، يبلد حسهم ، ويجعلهم يستبعدون النقلة منه إلى العذاب والنكال . شأنهم شأن ذوي النعمة قلما يخطر ببالهم أن تزول ؛ وقلما يتصورون أن تحول . فهو يوقظهم هنا من هذه الغفلة ، ويرسم لهم صورتهم حين يحل بهم ما يستعجلون :
« أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ؟ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ . ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ »
. .
فيضع صورة الاستعجال بالعذاب في جانب . وفي الجانب الآخر تحقق الوعيد . وإذا سنون المتاع ساقطة كأنها لم تكن ، لا تغني عنهم شيئا ، ولا تخفف من عذابهم .
وفي الحديث الصحيح : « يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ، ثم يقال له : هل رأيت خيرا قط ؟ هل رأيت نعيما قط ؟ فيقول : لا واللّه يا رب . ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان في الدنيا ، فيصبغ في الجنة صبغة ، ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط ؟ فيقول : لا واللّه يا رب « 1 » » . .
ثم يخوفهم بأن الإنذار مقدمة الهلاك . وأن رحمة اللّه ألا يهلك قرية حتى يبعث فيها رسولا ، يذكرها بدلائل الإيمان :
« وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ . ذِكْرى . وَما كُنَّا ظالِمِينَ »
. .
ولقد أخذ اللّه على البشر عهد الفطرة أن يوحدوه ويعبدوه . والفطرة بذاتها تحس بوجود الخالق الواحد ما لم تفسد وتنحرف « 2 » . وبث دلائل الإيمان في الكون ، كلها يوحي بوجود الخالق الواحد . فإذا نسي الناس عهد الفطرة ؛ وأغفلوا دلائل الإيمان ، جاءهم نذير يذكرهم ما نسوا ، ويوقظهم إلى ما أغفلوا . فالرسالة ذكرى تذكر الناسين وتوقظ الغافلين . زيادة في العدل والرحمة
« وَما كُنَّا ظالِمِينَ »
في أخذ القرى بعد ذلك بالعذاب
هامش
( 1 ) رواه ابن كثير في التفسير ، وقال : في الحديث الصحيح .
( 2 ) يراجع تفسير : وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم » جزء 9 ص 1392 .