تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2615

مساهمون:

ص٢٦١٥
وهذه قصة شعيب - ومكانها التاريخي قبل قصة موسى - تجيء هنا في مساق العبرة كبقية القصص في هذه السورة . وأصحاب الأيكة هم - غالبا - أهل مدين . والأيكة الشجر الكثيف الملتف . ويبدو أن مدين كانت تجاورها هذه الغيضة الوريفة من الأشجار . وموقع مدين بين الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة . وقد بدأهم شعيب بما بدأ به كل رسول قومه من أصل العقيدة والتعفف عن الأجر ، ثم أخذ يواجههم بما هو من خاصة شأنهم :
« أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ، وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ »
. وقد كان شأنهم - كما ذكر في سورتي الأعراف وهود - أن يطففوا في الميزان والمكيال ، وأن يأخذوا بالقسر والغصب زائدا عن حقهم ، ويعطوا أقل من حق الناس ، ويشتروا بثمن بخس ويبيعوا بثمن مرتفع . ويبدو أنهم كانوا في ممر قوافل التجارة ، فكانوا يتحكمون فيها . وقد أمرهم رسولهم بالعدل والقسط في هذا كله ، لأن العقيدة الصحيحة يتبعها حسن المعاملة . ولا تستطيع أن تغضي عن الحق والعدل في معاملات الناس . ثم استجاش شعيب مشاعر التقوى في نفوسهم ، وهو يذكرهم بخالقهم الواحد . خالق الأجيال كلها والسابقين جميعا :
« وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ »
. فما كان منهم إلا أن يطلقوا عليه الاتهام بأنه مسحور ، فهو يخلط ويهذي بما يقول :
« قالُوا : إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ »
. . وإلا أن يستنكروا رسالته . فهو بشر مثلهم ، وما هكذا - في زعمهم - يكون الرسول . ويرمونه بالكذب فيما يقول :
« وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا . وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ »
. وإلا أن يتحدوه أن يأتيهم بما يخوفهم به من العذاب إن كان صادقا فيما يدعيه ؛ وأن يسقط عليهم رجوما من السماء ، أو يحطمها عليهم ويسقطها قطعا :
« فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
. . وهو تحدي المستهتر الهازئ المستهين ! وهو شبيه بتحدي المشركين للرسول الكريم . .
« قالَ : رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ »
. . ويعجل السياق بالنهاية دون تفصيل ولا تطويل .
« فَكَذَّبُوهُ . فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ . إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ »
. . قيل : أخذهم حر خانق شديد يكتم الأنفاس ويثقل الصدور . ثم تراءت لهم سحابة ، فاستظلوا بها ؛ فوجدوا