تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3212

مساهمون:

ص٣٢١٢
وافق ابن مسعود . رضي اللّه عنه ، وجماعة عنه على تفسير الدخان بما تقدم وروي أيضا عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - من رواية العوفي عنه وأبي بن كعب - رضي اللّه عنه - وهو محتمل : والظاهر أن ذلك يوم القيامة . وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا . قال ابن جرير : حدثني يعقوب . حدثنا ابن علية . حدثنا خالد الحذاء . عن عكرمة قال : قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال ابن مسعود - رضي اللّه عنه - البطشة الكبرى يوم بدر . وأنا أقول : هي يوم القيامة . وهذا إسناد صحيح عنه . وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه ، واللّه أعلم ) . . انتهى كلام ابن كثير . . ونحن نختار قول ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في تفسير الدخان بأنه عند يوم القيامة ، وقول ابن كثير في تفسيره . فهو تهديد له نظائره الكثيرة في القرآن الكريم ، في مثل هذه المناسبة . ومعناه : إنهم يشكون ويلعبون . فدعهم وارتقب ذلك اليوم المرهوب . يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس . ووصف هذا بأنه عذاب أليم . وصور استغاثتهم :
« رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ »
. . ورده عليهم باستحالة الاستجابة ، فقد مضى وقتها :
« أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ »
. . يعلمه ذلك الغلام الأعجمي ! وهو - كما زعموا - مجنون . . وفي ظل هذا المشهد الذي يرجون فيه كشف العذاب فلا يجابون يقول لهم : إن أمامكم فرصة بعد لم تضع ، فهذا العذاب مؤخر عنكم قليلا وأنتم الآن في الدنيا . وهو مكشوف عنكم الآن فآمنوا كما تعدون أن تؤمنوا في الآخرة فلا تجابون . وأنتم الآن في عافية لن تدوم . فإنكم عائدون إلينا
« يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى »
. . يوم يكون ذلك الدخان الذي شهدتم مشهده في تصوير القرآن له .
« إِنَّا مُنْتَقِمُونَ »
من هذا اللعب الذي تلعبون ، وذلك البهت الذي تبهتون به الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - إذ تقولون عنه :
« مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ »
. . وهو الصادق الأمين . . بهذا يستقيم تفسير هذه الآيات ، كما يبدو لنا ، واللّه أعلم بما يريد . بعد ذلك يأخذ بهم في جولة أخرى مع قصة موسى عليه السّلام . فيعرضها في اختصار ينتهي ببطشة كبرى في هذه الأرض . بعد إذ أراهم بطشته الكبرى يوم تأتي السماء بدخان مبين :
« وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ، وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ : أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ . وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ . « فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ . . فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً ، إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ . « كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ . كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ . فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ . « وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ . مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ . وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ . وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ »
. . هذه الجولة تبدأ بلمسة قوية لإيقاظ قلوبهم إلى أن إرسال الرسول لقومه قد يكون فتنة وابتلاء . والإملاء للمكذبين فترة من الزمان ، وهم يستكبرون على اللّه ، ويؤذون رسول اللّه والمؤمنين معه قد يكون كذلك فتنة وابتلاء . وأن إغضاب الرسول واستنفاد حلمه على أذاهم ورجائه في هدايتهم قد يكون وراءه الأخذ الأليم والبطش الشديد :