الحدود ، وأقيمت المعالم لرحلة البشرية كلها بعد تلك الليلة إلى يوم الدين ؛ فلم يبق هناك أصل من الأصول التي تقوم عليها الحياة غير واضح ولا مرسوم في دنيا الناس ، كما هو واضح ومرسوم في الناموس الكلي القديم .
وكان ذلك كله بإرادة اللّه وأمره ، ومشيئته في إرسال الرسل للفصل والتبيين :
« أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ »
.
وكان ذلك كله رحمة من اللّه بالبشر إلى يوم الدين :
« رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
. .
وما تتجلى رحمة اللّه بالبشر كما تتجلى في تنزيل هذا القرآن ، بهذا اليسر ، الذي يجعله سريع اللصوق بالقلب ، ويجعل الاستجابة له تتم كما تتم دورة الدم في العروق . وتحول الكائن البشري إلى إنسان كريم ، والمجتمع البشري إلى حلم جميل ، لولا أنه واقع تراه العيون ! إن هذه العقيدة - التي جاء بها القرآن - في تكاملها وتناسقها - جميلة في ذاتها جمالا يحبّ ويعشق ؛ وتتعلق به القلوب ! فليس الأمر فيها أمر الكمال والدقة وأمر الخير والصلاح . فإن هذه السمات فيها تظل ترتفع وترتفع حتى يبلغ الكمال فيها مرتبة الجمال الحبيب الطليق . الجمال الذي يتناول الجزئيات كلها بأدق تفصيلاتها ، ثم يجمعها ، وينسقها ، ويربطها كلها بالأصل الكبير .
« رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ »
نزل بها هذا القرآن في الليلة المباركة . .
« إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
. يسمع ويعلم ، وينزل ما ينزل للناس على علم وعلى معرفة بما يقولون وما يعملون ، وما يصلح لهم ويصلحون به من السنن والشرائع والتوجيه السليم .
وهو المشرف على هذا الكون الحافظ لمن فيه وما فيه :
« رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما . إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ »
. .
فما ينزله للناس يربيهم به ، هو طرف من ربوبيته للكون كله ، وطرف من نواميسه التي تصرف الكون . .
والتلويح لهم باليقين في هذا إشارة إلى عقيدتهم المضطربة المزعزعة المهوشة ، إذ كانوا يعترفون بخلق اللّه للسماوات والأرض ، ثم يتخذون من دونه أربابا ، مما يشي بغموض هذه الحقيقة في نفوسهم وسطحيتها وبعدها عن الثبات واليقين .
وهو الإله الواحد الذي يملك الموت والحياة ؛ وهو رب الأولين والآخرين :
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ، رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ »
. .
والإحياء والإماتة أمران مشهودان للجميع ، وأمرهما خارج عن طاقة كل مخلوق . يبدو هذا بأيسر نظر وأقرب تأمل . ومشهد الموت كمشهد الحياة في كل صورة وفي كل شكل يلمس القلب البشري ويهزه ؛ ويستجيشه ويعده للتأثر والانفعال ويهيئه للتقبل والاستجابة . ومن ثم يكثر ذكره في القرآن وتوجيه المشاعر إليه ولمس القلوب به بين الحين والحين .
وعندما يبلغ الموقف هذا الحد من الاستتارة والاستجاشة يضرب السياق عنه ، ويلتفت بالحديث إلى حكاية حالهم تجاهه ؛ وهو حال مناقض لما ينبغي أن يكونوا عليه تجاه حقيقة الموقف الجاد الذي لا مجال للعب فيه :
« بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ . فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ، يَغْشَى النَّاسَ ، هذا عَذابٌ أَلِيمٌ . رَبَّنَا