تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3169

مساهمون:

ص٣١٦٩
ثم يكشف عن طبيعة هذا الإنسان الذي يعارض ويعاند ، ويعرض نفسه للأذى والعذاب ، وهو لا يحتمل في نفسه الأذى ؛ وهو رقيق الاحتمال ، يستطار بالنعمة ، ويجزع من الشدة ، ويتجاوز حده فيكفر من الضيق :
« وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ »
. . ويعقب على هذا بأن نصيب هذا الإنسان من السراء والضراء ومن العطاء والحرمان كله بيد اللّه . فما لهذا الإنسان المحب للخير الجزوع من الشر ، يبعد عن اللّه المالك لأمره في جميع الأحوال :
« لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ، وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ . أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً ، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ، إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ »
. . والذرية مظهر من مظاهر المنح والمنع والعطاء والحرمان ؛ وهي قريبة من نفس الإنسان ؛ والنفس شديدة الحساسية بها . فلمسها من هذا الجانب أقوى وأعمق . وقد سبق في السورة حديث عن الرزق بسطه وقبضه . فهذه تكملة في الرزق بالذرية . وهي رزق من عند اللّه كالمال . والتقديم بأن للّه ملك السماوات والأرض هو التقديم المناسب لكل جزئية بعد ذلك من توابع هذا الملك العام . وكذلك ذكر :
« يَخْلُقُ ما يَشاءُ »
. . فهي توكيد للإحياء النفسي المطلوب في هذا الموضع . ورد الإنسان ، المحب للخير ، إلى اللّه الذي يخلق ما يشاء مما يسرّ وما يسوء ومن عطاء أو حرمان . ثم يفصل حالات العطاء والحرمان : فهو يهب لمن يشاء إناثا ( وهم كانوا يكرهون الإناث ) ويهب لمن يشاء الذكور . ويهب لمن يشاء أزواجا من هؤلاء وهؤلاء . ويحرم من يشاء فيجعله عقيما ( والعقم يكرهه كل الناس ) . . وكل هذه الأحوال خاضعة لمشيئة اللّه . لا يتدخل فيها أحد سواه . وهو يقدرها وفق علمه وينفذها بقدرته :
« إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ »
. . وفي ختام السورة يعود السياق إلى الحقيقة الأولى التي تدور عليها السورة . حقيقة الوحي والرسالة . يعود إلى هذه الحقيقة ليكشف عن طبيعة هذا الاتصال بين اللّه والمختارين من عباده ، وفي أية صورة يكون . ويؤكد أنه قد وقع فعلا إلى الرسول الأخير - صلّى اللّه عليه وسلّم - لغاية يريدها اللّه سبحانه . ليهدي من يشاء إلى صراط مستقيم :
« وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ . وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ »
. . ويقطع هذا النص بأنه ليس من شأن إنسان أن يكلمه اللّه مواجهة . وقد روي عن عائشة رضي اللّه عنها : « من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على اللّه الفرية » « 1 » إنما يتم كلام اللّه للبشر بواحدة من ثلاث : « وحيا » يلقى في النفس مباشرة فتعرف أنه من اللّه ،
« أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ »
. . كما كلم اللّه موسى - عليه السّلام - وحين طلب الرؤية لم يجب إليها ، ولم يطق تجلي اللّه على الجبل
« وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ : سُبْحانَكَ
هامش
( 1 ) متفق عليه .