تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3146

مساهمون:

ص٣١٤٦
النفسي المناسب للتعقيب على تلك الحقيقة . . فها هو ذا رسول اللّه ونبيه يشهد أن اللّه هو ربه ، وأنه يتوكل عليه وحده ، وأنه ينيب إليه دون سواه . فكيف يتحاكم الناس إذن إلى غيره عند اختلافهم في شيء من الأمر ، والنبي المهدي لا يتحاكم إلا إليه ، وهو أولى من يتحاكم الناس إلى قوله الفصل ، لا يتلفتون عنه لحظة هنا أو هناك ؟ وكيف يتجهون في أمر من أمورهم وجهة أخرى ، والنبي المهدي يتوكل على اللّه وحده ، وينيب إليه وحده ، بما أنه هو ربه ومتولي أمره وكافله وموجهه إلى حيث يختار ؟ واستقرار هذه الحقيقة في ضمير المؤمن ينير له الطريق ويحدد معالمه ، فلا يتلفت هنا أو هناك . ويسكب فيه الطمأنينة إلى طريقه ، والثقة بمواقع خطواته ، فلا يتشكك ولا يتردد ولا يختار . ويشعره أن اللّه راعيه وحاميه ومسدد خطاه في هذا الاتجاه . والنبي المهدي سالك هذا الطريق إلى اللّه . واستقرار هذه الحقيقة في ضمير المؤمن يرفع من شعوره بمنهجه وطريقه ، فلا يجد أن هناك منهجا آخر أو طريقا يصح أن يتلفت إليه ؛ ولا يجد أن هنالك حكما غير قول اللّه وحكمه يرجع عند الاختلاف إليه . والنبي المهدي ينيب إلى ربه الذي شرع هذا المنهج وحكم هذا الحكم . ثم يعقب مرة أخرى بما يزيد هذه الحقيقة استقرارا وتمكينا :
« فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً . يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
. . فاللّه منزل ذلك القرآن ليكون حكمه الفصل فيما يختلفون فيه من شيء . . هو
« فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. . وهو مدبر السماوات والأرض . والناموس الذي يحكم السماء والأرض هو حكمه الفصل في كل ما يختص بهما من أمر . وشؤون الحياة والعباد إن هي إلا طرف من أمر السماوات والأرض ؛ فحكمه فيها هو الحكم الذي ينسق بين حياة العباد وحياة هذا الكون العريض ، ليعيشوا في سلام مع الكون الذي يحيط بهم ، والذي يحكم اللّه في أمره بلا شريك . واللّه الذي يجب أن يرجعوا إلى حكمه فيما يختلفون فيه من شيء هو خالقهم الذي سوى نفوسهم ، وركبها :
« جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً »
. . فنظم لكم حياتكم من أساسها ، وهو أعلم بما يصلح لها وما تصلح به وتستقيم . وهو الذي أجرى حياتكم وفق قاعدة الخلق التي اختارها للأحياء جميعا :
« وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً »
. . فهنالك وحدة في التكوين تشهد بوحدانية الأسلوب والمشيئة وتقديرها المقصود . . إنه هو الذي جعلكم - أنتم والأنعام - تتكاثرون وفق هذا المنهج وهذا الأسلوب . ثم تفرد هو دون خلقه جميعا ، فليس هنالك من شيء يماثله - سبحانه وتعالى - :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
. . والفطرة تؤمن بهذا بداهة . فخالق الأشياء لا تماثله هذه الأشياء التي هي من خلقه . . ومن ثم فإنها ترجع كلها إلى حكمه عندما تختلف فيما بينها على أمر ، ولا ترجع معه إلى أحد غيره ؛ لأنه ليس هناك أحد مثله ، حتى يكون هناك أكثر من مرجع واحد عند الاختلاف . ومع أنه - سبحانه -
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
. . فإن الصلة بينه وبين ما خلق ليست منقطعة لهذا الاختلاف الكامل . فهو يسمع ويبصر :
« وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
. . ثم يحكم حكم السميع البصير . ثم إنه إذ يجعل حكمه فيما يختلفون فيه من شيء هو الحكم الواحد الفصل . يقيم هذا على حقيقة أن مقاليد السماوات والأرض كلها إليه بعد ما فطرها أول مرة ، وشرع لها ناموسها الذي يدبرها :
« لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. . وهم بعض ما في السماوات والأرض ، فمقاليدهم إليه . ثم إنه هو الذي يتولى أمر رزقهم قبضا وبسطا - فيما يتولى من مقاليد السماوات والأرض - :
« يَبْسُطُ الرِّزْقَ