غيرهما من خلق اللّه ذوي الطبيعة المفردة الموحدة الاتجاه . استعدادات يجنح بها ومعها فريق إلى الهدى والنور والعمل الصالح ؛ ويجنح بها ومعها فريق إلى الضلال والظلام والعمل السيّئ كل منهما يسلك وفق أحد الاحتمالات الممكنة في طبيعة تكوين هذا المخلوق البشري ؛ وينتهي إلى النهاية المقررة لهذا السلوك :
« فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ »
. . وهكذا :
« يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ »
. . وفق ما يعلمه اللّه من حال هذا الفريق وذاك ، واستحقاقه للرحمة بالهداية أو استحقاقه للعذاب بالضلال .
ولقد سبق أن بعضهم يتخذ من دون اللّه أولياء . فهو يقرر هنا أن الظالمين :
« ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ »
. .
فأولياؤهم الذين يتخذونهم لا حقيقة لهم إذن ولا وجود .
ثم يعود فيسأل في استنكار :
« أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ؟ »
. .
ليقرر بعد هذا الاستنكار أن اللّه وحده هو الولي ، وأنه هو القادر تتجلى قدرته في إحياء الموتى . العمل الذي تظهر فيه القدرة المفردة بأجلى مظاهرها :
« فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ، وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى »
. .
ثم يعمم مجال القدرة ويبرز حقيقتها الشاملة لكل شيء والتي لا تنحصر في حدود :
« وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
ثم يعود إلى الحقيقة الأولى ، لبيان الجهة التي يرجع إليها عند كل اختلاف . وهي هذا الوحي الذي جاء من عند اللّه يتضمن حكم اللّه كيلا يكون للهوى المتقلب أثر في الحياة بعد ذلك المنهج الإلهي القويم :
« وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً ، يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
. .
وطريقة إيراد هذه الحقائق وتسلسلها وتجمعها في هذه الفقرة طريقة عجيبة ، تستحق التدبر . فالترابط الخفي والظاهر بين أجزائها ترابط لطيف دقيق .
إنه يرد كل اختلاف يقع بين الناس إلى اللّه :
« وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ »
. . واللّه أنزل حكمه القاطع في هذا القرآن ؛ وقال قوله الفصل في أمر الدنيا والآخرة ؛ وأقام للناس المنهج الذي اختاره لهم في حياتهم الفردية والجماعية ، وفي نظام حياتهم ومعاشهم وحكمهم وسياستهم ، وأخلاقهم وسلوكهم . وبيّن لهم هذا كله بيانا شافيا . وجعل هذا القرآن دستورا شاملا لحياة البشر ، أوسع من دساتير الحكم وأشمل . فإذا اختلفوا في أمر أو اتجاه فحكم اللّه فيه حاضر في هذا الوحي الذي أوحاه إلى رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - لتقوم الحياة على أساسه .
وعقب تقرير هذه الحقيقة يحكي قول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - مسلما أمره كله للّه ، منيبا إلى ربه بكليته :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ »
. .
فتجيء هذه الإنابة ، وذاك التوكل ، وذلك الإقرار بلسان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في موضعها