تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3084

مساهمون:

ص٣٠٨٤
فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ »
. . لقد طويت الدنيا ، وعرضت أول صفحة بعدها . فإذا الرجل المؤمن الذي قال كلمة الحق ومضى ، قد وقاه اللّه سيئات مكر فرعون وملئه ، فلم يصبه من آثارها شيء في الدنيا ، ولا فيما بعدها أيضا . بينما حاق بآل فرعون سوء العذاب :
« النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ »
. والنص يلهم أن عرضهم على النار غدوا وعشيا ، هو في الفترة من بعد الموت إلى قيام الساعة . وقد يكون هذا هو عذاب القبر . إذ أنه يقول بعد هذا :
« وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ »
. . فهو إذن عذاب قبل يوم القيامة . وهو عذاب سيئ . عرض على النار في الصباح وفي المساء . إما للتعذيب برؤيتها وتوقع لذعها وحرها - وهو عذاب شديد - وإما لمزاولتها فعلا . فكثيرا ما يستعمل لفظ العرض للمس والمزاولة . وهذه أدهى . . ثم إذا كان يوم القيامة أدخلوا أشد العذاب ! فأما في الآية التالية فقد كانت القيامة فعلا ، والسياق يلتقط لهم موقفا في النار ! وهم يتحاجون فيها :
« فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً . فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ؟ »
. إن الضعفاء إذن في النار مع الذين استكبروا . لم يشفع لهم أنهم كانوا ذيولا وإمّعات ! ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنما تساق ! لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار ! لقد منحهم اللّه الكرامة . كرامة الإنسانية . وكرامة التبعة الفردية . وكرامة الاختيار والحرية . ولكنهم هم تنازلوا عن هذا جميعا . تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والملأ والحاشية . لم يقولوا لهم : لا . بل لم يفكروا أن يقولوها . بل لم يفكروا أن يتدبروا ما يقولونه لهم وما يقودونهم إليه من ضلال . .
« إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً »
. . وما كان تنازلهم عما وهبهم اللّه واتباعهم الكبراء ليكون شفيعا لهم عند اللّه . فهم في النار . ساقهم إليها قادتهم كما كانوا يسوقونهم في الحياة . سوق الشياه ! ثم ها هم أولاء يسألون كبراءهم :
« فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ؟ »
. . كما كانوا يوهمونهم في الأرض أنهم يقودونهم في طريق الرشاد ، وأنهم يحمونهم من الفساد ، وأنهم يمنعونهم من الشر والضر وكيد الأعداء ! فأما الذين استكبروا فيضيقون صدرا بالذين استضعفوا ، ويجيبونهم في ضيق وبرم وملالة . وفي إقرار بعد الاستكبار :
« قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا : إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ »
. .
« إِنَّا كُلٌّ فِيها »
. . إنا كل ضعاف لا نجد ناصرا ولا معينا . إنا كل في هذا الكرب والضيق سواء . فما سؤالكم لنا وأنتم ترون الكبراء والضعاف سواء ؟
« إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ »
. . فلا مجال لمراجعة في الحكم ، ولا مجال لتغيير فيه أو تعديل . وقد قضي الأمر ، وما من أحد من العباد يخفف شيئا من حكم اللّه . وحين أدرك هؤلاء وهؤلاء أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ، اتجه هؤلاء وهؤلاء لخزنة جهنم في ذلة تعم الجميع ، وفي ضراعة تسوي هؤلاء بهؤلاء :
« وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ : ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ »
. . إنهم يستشفعون حراس جهنم ، ليدعوا ربهم . في رجاء يكشف عن شدة البلاء :
« ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا