« مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها . وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ »
. .
فقد اقتضى فضل اللّه أن تضاعف الحسنات ولا تضاعف السيئات ، رحمة من اللّه بعباده ، وتقديرا لضعفهم ، وللجواذب والموانع لهم في طريق الخير والاستقامة ، فضاعف لهم الحسنات ، وجعلها كفارة للسيئات . فإذا هم وصلوا إلى الجنة بعد الحساب ، رزقهم اللّه فيها بغير حساب .
ويستنكر الرجل المؤمن أن يدعوهم إلى النجاة فيدعونه إلى النار ، فيهتف بهم في استنكار :
« وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ؟ »
. .
وهم لم يدعوه إلى النار . إنما دعوه إلى الشرك . وما الفرق بين الدعوة إلى الشرك والدعوة إلى النار ؟ إنها قريب من قريب . فهو يبدل الدعوة بالدعوة في تعبيره في الآية التالية :
« تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ . وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ »
. .
وشتان بين دعوة ودعوة . إن دعوته لهم واضحة مستقيمة . إنه يدعوهم إلى العزيز الغفار . يدعوهم إلى إله واحد تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته ، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره . يدعوهم إليه ليغفر لهم وهو القادر على أن يغفر ، الذي تفضل بالغفران :
« الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ »
. . فإلى أي شيء يدعونه ؟ يدعونه للكفر باللّه .
عن طريق إشراك ما لا علم له به من مدعيات وأوهام وألغاز ! ويقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء ، وليس لهم شأن لا في دنيا ولا في آخرة ، وأن المرد للّه وحده ، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار :
« لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ . وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ . وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ »
.
وما ذا يبقى بعد هذا البيان الواضح الشامل للحقائق الرئيسية في العقيدة ؟ وقد جهر بها الرجل في مواجهة فرعون وملئه بلا تردد ولا تلعثم ، بعد ما كان يكتم إيمانه ، فأعلن عنه هذا الإعلان ؟ لا يبقى إلا أن يفوض أمره إلى اللّه ، وقد قال كلمة وأراح ضميره ، مهددا إياهم بأنهم سيذكرون كلمته هذه في موقف لا تنفع فيه الذكرى .
والأمر كله إلى اللّه :
« فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ »
. .
وينتهي الجدل والحوار . وقد سجل مؤمن آل فرعون كلمته الحق خالدة في ضمير الزمان .
ويجمل السياق حلقات القصة بعد هذا . وما كان بين موسى وفرعون وبني إسرائيل . إلى موقف الغرق والنجاة :
ويقف ليسجل « لقطات » بعد هذا الموقف الأخير . وبعد الحياة :
« فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ، وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ . « وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ ، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ؟ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا : إِنَّا كُلٌّ فِيها ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ . وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ : ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ . قالُوا : أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ ؟ قالُوا : بَلى . قالُوا :