إعراض المشركين وتكذيبهم ؛ وإلى رعاية اللّه لدعوته والمؤمنين بها ولو كانوا مجردين من القوة وأعداؤهم أقوياء جبارون في الأرض مسلطون عليهم بالأذى والتنكيل - وهو الموقف الذي كان فيه المسلمون بمكة عند نزول هذه السورة - وقد كان القصص إحدى وسائل التربية القرآنية في القرآن الكريم .
وقد وردت حلقات من قصة موسى - عليه السّلام - حتى الآن في سورة البقرة ، وسورة المائدة ، وسورة الأعراف ، وسورة يونس ، وسورة الإسراء ، وسورة الكهف ، وسورة طه . عدا إشارات إليها في سور أخرى .
وفي كل مرة كانت الحلقات التي تعرض منها أو الإشارات متناسقة مع موضوع السورة ، أو السياق الذي تعرض فيه ، على نحو ما هي في هذه السورة ؛ وكانت تشارك في تصوير الموضوع الذي يهدف إليه السياق « 1 » .
والحلقة المعروضة هنا هي حلقة الرسالة والتكذيب وما كان من غرق فرعون وملئه جزاء على هذا التكذيب ، وعقابا على ائتماره بموسى ومن معه من المؤمنين . ونجاة موسى وبني إسرائيل من كيد الظالمين . وفي هذا تصديق قول اللّه سبحانه في هذه السورة عن المشركين :
« وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »
. . وقوله :
« فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ »
. .
وهذه الحلقة مقسمة إلى مشاهد استعراضية ، بينها فجوات بمقدار ما يسدل الستار على المشهد ، ثم يرفع عن المشهد الذي يليه . وهي ظاهرة فنية ملحوظة في طريقة العرض القرآنية للقصة « 2 » .
وهنا سبعة مشاهد : أولها مشهد النداء والبعثة والوحي والمناجاة بين موسى - عليه السّلام - وربه . وثانيها مشهد مواجهة موسى لفرعون وملئه برسالته وآيتي العصا واليد البيضاء . وثالثها مشهد التآمر وجمع السحرة وحشد الناس للمباراة الكبرى . ورابعها مشهد السحرة بحضرة فرعون يطمئنون على الأجر والجزاء ! وخامسها مشهد المباراة ذاته وإيمان السحرة وتهديد فرعون ووعيده . وسادسها مشهد ذو شقين : الشق الأول مشهد إيحاء اللّه لموسى أن يسري بعباده ليلا ، والثاني مشهد إرسال فرعون في المدائن حاشرين يجمعون الجنود لملاحقة بني إسرائيل . وسابعها مشهد المواجهة أمام البحر ونهايته من انفلاق البحر وغرق الظالمين ونجاة المؤمنين .
وقد عرضت هذه المشاهد في سورة الأعراف ، وفي سورة يونس ، وفي سورة طه . ولكنها عرضت في كل موضع من الجانب الذي يناسب ذلك الموضع ، وبالطريقة التي تنفق مع اتجاهه ، وكان التركيز فيها على نقط معينة هنا وهناك .
ففي الأعراف مثلا بدأ بمشهد المواجهة بين موسى وفرعون مختصرا ، ومر بمشهد السحرة ونهايته سريعا ، بينما وسع في عرض مؤامرات فرعون وملئه بعد ذلك ، وعرض آيات موسى مدة إقامته في مصر بعد المباراة قبل مشهد الغرق والنجاة . واستطرد بعد ذلك مع بني إسرائيل بعد مجاوزتهم البحر في حلقات كثيرة . . واختصر هذا هنا فلم يشر إليه . بينما وسع في مشهد الجدال بين موسى وفرعون حول وحدانية اللّه سبحانه ووحيه إلى رسوله ؛ وهو موضوع الجدل في هذه السورة بين المشركين والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
وفي يونس بدأ بمشهد المواجهة مختصرا لم يعرض فيه آيتي العصا واليد ، واختصر كذلك في مشهد المباراة .
بينما توسع هنا في كليهما .
وفي سورة طه توسع في مشهد المناجاة الأول بين موسى وربه . واستطرد بعد مشهدي المواجهة والمباراة
هامش
( 1 ) تراجع ص 2329 - 2331 من الجزء السادس عشر من الظلال . وفصل : القصة في القرآن في كتاب التصوير الفني في القرآن
. ( 2 ) فصل : القصة في القرآن . في كتاب التصوير الفني في القرآن . « دار الشروق » .