فمحاسبون بعد إذ هم تراب وعظام ؟ ! وبينما هو ماض في قصته يعرضها في سمره مع إخوانه ، يخطر له أن يتفقد صاحبه وقرينه ذاك ليعرف مصيره .
وهو يعرف بطبيعة الحال أنه قد صار إلى الجحيم . فيتطلع ويدعو إخوانه إلى التطلع معه :
قال : « هل أنتم مطلعون ؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم » . .
عندئذ يتوجه إلى قرينه الذي وجده في وسط الجحيم . يتوجه إليه ليقول له : يا هذا . لقد كدت توردني موارد الردى بوسوستك . لولا أن اللّه قد أنعم علي ، فعصمني من الاستماع إليك :
« قال : تاللّه إن كدت لتردين . ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين » . .
أي لكنت من الذين يساقون إلى الموقف وهم كارهون .
وتثير رؤيته لقرينه في سواء الجحيم شعوره بجزالة النعمة التي نالها هو وإخوانه من عباد اللّه المخلصين . فيحب أن يؤكدها ويستعرضها ، ويطمئن إلى دوامها ، تلذذا بها وزيادة في المتاع بها فيقول :
« أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى ؟ وما نحن بمعذبين ؟ إن هذا لهو الفوز العظيم » . .
وهنا يرد تعليق يوقظ القلوب ويوجهها إلى العمل والتسابق لمثل هذا المصير :
« لمثل هذا » النعيم الذي لا يدركه فوت ، ولا يخشى عليه من نفاد ، ولا يعقبه موت ، ولا يتهدده العذاب .
لمثل هذا فليعمل العاملون . . فهذا هو الذي يستحق الاحتفال . وما عداه مما ينفق فيه الناس أعمارهم على الأرض زهيد زهيد حين يقاس إلى هذا الخلود .
ولكي يتضح الفارق الهائل بين هذا النعيم الخالد الآمن الدائم الراضي ؛ والمصير الآخر الذي ينتظر الفريق الآخر . فإن السياق يستطرد إلى ما ينتظر هذا الفريق بعد موقف الحشر والحساب الذي ورد في مطلع المشهد الفريد :
« أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ! إنا جعلناها فتنة للظالمين . إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين . فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون . ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم . ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم » . .
أذلك النعيم المقيم خير منزلا ومقاما أم شجرة الزقوم ؟
وما شجرة الزقوم ؟
« إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين » . .
والناس لا يعرفون رؤوس الشياطين كيف تكون ! ولكنها مفزعة ولا شك . ومجرد تصورها يثير الفزع والرعب .
فكيف إذا كانت طلعا يأكلونه ويملئون منه البطون ؟ ! لقد جعل اللّه هذه الشجرة فتنة للظالمين . فحين سمعوا باسمها سخروا وقالوا : كيف تنبت شجرة في الجحيم ولا تحترق . وقال قائل منهم هو أبو جهل ابن هشام يسخر ويتفكه : « يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ؟ قالوا : لا . قال : عجوة يثرب بالزبد ! واللّه لئن استمكنا منها لنزقمنها تزقما ! ولكن شجرة الزقوم هذه شيء آخر غير ذلك الطعام الذي كانوا يعرفون ! « فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون » . .
فإذا شاكت حلوقهم وهي كرؤوس الشياطين - وحرقت بطونهم - وهي تنبت في أصل الجحيم ولا تحترق
في ظلال القرآن — صفحة 2988
مساهمون: سيد قطب
ص٢٩٨٨