ذات طابع فريد حقا سنلمسه عند استعراضه تفصيلا في مكانه من السورة .
وفي القصص ومواقفه وإيحاءاته . وبخاصة في قصة إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل - عليهما السّلام ، وترتفع المؤثرات الموحية هنا إلى الذروة التي تهز القلوب هزا عميقا عنيفا .
ذلك إلى الإيقاع الموسيقي في السورة وهو ذو طابع مميز يتفق مع صورها وظلالها ومشاهدها ومواقفها وإيحاءاتها المتلاحقة العميقة .
ويجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في ثلاثة أشواط رئيسية :
الشوط الأول يتضمن افتتاح السورة بالقسم بتلك الطوائف من الملائكة : والصافات صفا . فالزاجرات زجرا .
فالتاليات ذكرا على وحدانية اللّه رب المشارق ، مزين السماء بالكواكب . ثم تجيء مسألة الشياطين وتسمعهم للملإ الأعلى ورجمهم بالشهب الثاقبة . يتلوها سؤال لهم :
« أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً »
أم تلك الخلائق : الملائكة والسماء والكواكب والشياطين والشهب ؟ للتوصل من هذا إلى تسفيه ما كانوا يقولونه عن البعث ، وإثبات ما كانوا يستبعدونه ويستهزءون بوقوعه . ومن ثم يعرض ذلك المشهد المطول للبعث والحساب والنعيم والعذاب .
وهو مشهد فريد . .
والشوط الثاني يبدأ بأن هؤلاء الضالين لهم نظائر في السابقين ، الذين جاءتهم النذر فكان أكثرهم من الضالين .
ويستطرد في قصص أولئك المنذرين من قوم نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ولوط ويونس ؛ وكيف كانت عاقبة المنذرين وعاقبة المؤمنين .
والشوط الثالث يتحدث عن تلك الأسطورة التي مر ذكرها : أسطورة الجن والملائكة . ويقرر كذلك وعد اللّه لرسله بالظفر والغلبة :
« وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ »
. .
وينتهي بختام السورة بتنزيه اللّه سبحانه والتسليم على رسله والاعتراف بربوبيته :
« سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ . وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . وهي القضايا التي تتناولها السورة في الصميم . .
والآن نأخذ في التفصيل :
« وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ، فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ، فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ، إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ . رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ »
. .
والصافات والزاجرات والتاليات . . طوائف من الملائكة ذكرها هنا بأعمالها التي يعلمها . والتي يجوز أن تكون هي الصافات قوائمها في الصلاة ، أو أجنحتها في ارتقاب أمر اللّه . والزاجرات لمن يستحق الزجر من العصاة في أثناء قبض أرواحهم مثلا أو عند الحشر والسوق إلى جهنم أو في أية حالة وفي أي موضع . والتاليات للذكر . .
القرآن أو غيره من كتب اللّه أو المسبحات بذكر اللّه .
يقسم اللّه سبحانه بهذه الطوائف من الملائكة على وحدانيته :
« إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ »
. . ومناسبة هذا القسم - كما أسلفنا - هو تلك الأسطورة التي كانت شائعة في جاهلية العرب من نسبة الملائكة إلى اللّه ، واتخاذهم آلهة بما أنهم - بزعمهم - بنات اللّه ! ثم يعرف اللّه عباده بنفسه في صفته المناسبة للوحدانية :