تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2975

مساهمون:

ص٢٩٧٥
وما كان يخفى على كبراء قريش أن الأمر ليس كذلك . وأن ما جاءهم به محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - قول غير معهود في لغتهم . وما كانوا من الغفلة بحيث لا يفرقون بين القرآن والشعر . إنما كان هذا طرفا من حرب الدعاية التي شنوها على الدين الجديد وصاحبه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في أوساط الجماهير . معتمدين فيها على جمال النسق القرآني المؤثر ، الذي قد يجعل الجماهير تخلط بينه وبين الشعر إذا وجهت هذا التوجيه . وهنا ينفي اللّه - سبحانه - أنه علم الرسول الشعر . وإذا كان اللّه لم يعلمه فلن يعلم . فما يعلم أحد شيئا إلا ما يعلمه اللّه . . ثم ينفي لياقة الشعر بالرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - :
« وَما يَنْبَغِي لَهُ »
فللشعر منهج غير منهج النبوة . الشعر انفعال . وتعبير عن هذا الانفعال . والانفعال يتقلب من حال إلى حال . والنبوة وحي . على منهج ثابت . على صراط مستقيم . يتبع ناموس اللّه الثابت الذي يحكم الوجود كله . ولا يتبدل ولا يتقلب مع الأهواء الطارئة ، تقلب الشعر مع الانفعالات المتجددة التي لا تثبت على حال . والنبوة اتصال دائم باللّه ، وتلق مباشر عن وحي اللّه ، ومحاولة دائمة لرد الحياة إلى اللّه . بينما الشعر - في أعلى صوره - أشواق إنسانية إلى الجمال والكمال مشوبة بقصور الإنسان وتصوراته المحدودة بحدود مداركه واستعداداته . فأما حين يهبط عن صوره العالية فهو انفعالات ونزوات قد تهبط حتى تكون صراخ جسد ، وفورة لحم ودم ! فطبيعة النبوة وطبيعة الشعر مختلفتان من الأساس . هذه - في أعلى صورها - أشواق تصعد من الأرض . وتلك في صميمها هداية تتنزل من السماء . .
« إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ »
. . ذكر وقرآن . . وهما صفتان لشيء واحد . ذكر بحسب وظيفته . وقرآن بحسب تلاوته . فهو ذكر للّه يشتغل به القلب ، وهو قرآن يتلى ويشتغل به اللسان . وهو منزل ليؤدي وظيفة محدودة :
« لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ »
. . ويضع التعبير القرآني الكفر في مقابل الحياة . فيجعل الكفر موتا ، ويجعل استعداد القلب للإيمان حياة . ويبين وظيفة هذا القرآن بأنه نزل على الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - لينذر من به حياة . فيجدي فيهم الإنذار ، فأما الكافرون فهم موتى لا يسمعون النذير ؛ وظيفة القرآن بالقياس إليهم هي تسجيل الاستحقاق للعذاب ، فإن اللّه لا يعذب أحدا حتى تبلغه الرسالة ثم يكفر عن بينة ويهلك بلا حجة ولا معذرة ! وهكذا يعلم الناس أنهم إزاء هذا القرآن فريقان : فريق يستجيب فهو حي . وفريق لا يستجيب فهو ميت . ويعلم هذا الفريق أن قد حق عليه القول ، وحق عليه العذاب ! والمقطع الثاني في هذا القطاع يعرض قضية الألوهية والوحدانية ، في اطار من مشاهدات القوم ، ومن نعم البارئ عليهم ، وهم لا يشكرون :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ؟ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ . وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ؟ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ . لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ . فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ »
. . أو لم يروا ؟ فآية اللّه هنا مشهودة منظورة بين أيديهم ، ليست غائبة ولا بعيدة ، ولا غامضة تحتاج إلى تدبر