تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2972

مساهمون:

ص٢٩٧٢
« ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ . فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ »
. . فهي تأخذهم بغتة وهم في جدالهم وخصامهم في معترك الحياة ، لا يتوقعونها ولا يحسبون لها حسابا . فإذا هم منتهون . كل على حاله التي هو عليها . لا يملك أن يوصي بمن بعده . ولا يملك أن يرجع إلى أهله فيقول لهم كلمة . . وأين هم ؟ إنهم مثله في أماكنهم منتهون ! ثم ينفخ في الصور فإذا هم ينتفضون من القبور . ويمضون سراعا ، وهم في دهش وذعر يتساءلون :
« مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ؟ »
. ثم تزول عنهم الدهشة قليلا ، فيدركون ويعرفون :
« هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ »
! ثم إذا الصيحة الأخيرة . صيحة واحدة . فإذا هذا الشتيت الحائر المذهول المسارع في خطاه المدهوش . يثوب :
« فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ »
. . وتنتظم الصفوف ، ويتهيأ الاستعراض في مثل لمح البصر ورجع الصدى . وإذا القرار العلوي في طبيعة الموقف ، وطبيعة الحساب والجزاء يعلن على الجميع :
« فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . وفي هذه السرعة الخاطفة التي تتم بها تلك المشاهد الثلاثة تناسق في الرد على أولئك الشاكين المرتابين في يوم الوعد المبين ! ثم يطوي السياق موقف الحساب مع المؤمنين ، ويعجل بعرض ما صاروا إليه من نعيم :
« إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ . لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ . سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ »
. . إنهم مشغولون بما هم فيه من النعيم ، ملتذون متفكهون . وإنهم لفي ظلال مستطابة يستروحون نسيمها . . وعلى أرائك متكئين في راحة ونعيم هم وأزواجهم . لهم فيها فاكهة ولهم كل ما يشاءون ؛ وهم ملاك محقق لهم فيها كل ما يدعون . ولهم فوق اللذائذ التأهيل والتكريم :
« سَلامٌ »
. . يتلقونه من ربهم الكريم :
« قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ »
. . فأما الآخرون فلا يطوي السياق موقف حسابهم ، بل يعرضه ويبرز فيه التبكيت والتنكيل :
« وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ . أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ - يا بَنِي آدَمَ - أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً . أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ؟ هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. . إنهم يتلقون التحقير والترذيل :
« وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ »
. . انعزلوا هكذا بعيدا عن المؤمنين !
« أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ - يا بَنِي آدَمَ - أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ؟ »
. . ونداؤهم هنا
« يا بَنِي آدَمَ »
. . فيه من التبكيت ما فيه . وقد أخرج الشيطان أباهم من الجنة ثم هم يعبدونه ، وهو لهم عدو مبين .
« وَأَنِ اعْبُدُونِي »
. .
« هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ »
. . واصل إليّ مؤد إلى رضاي . فلم تحذروا عدوكم الذي أضل منكم أجيالا كثيرة . .
« أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ؟ »
. وفي نهاية هذا الموقف العصيب المهين يعلن الجزاء الأليم ، في تهكم وتأنيب :
« هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
!