تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2961

مساهمون:

ص٢٩٦١
مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ . قالُوا : طائِرُكُمْ مَعَكُمْ ، أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ ؟ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ »
. . ولم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية ولا ما هي القرية . وقد اختلفت فيها الروايات . ولا طائل وراء الجري مع هذه الروايات . وعدم إفصاح القرآن عنها دليل على أن تحديد اسمها أو موضعها لا يزيد شيئا في دلالة القصة وإيحائها . ومن ثم أغفل التحديد ، ومضى إلى صميم العبرة ولبابها . فهي قرية أرسل اللّه إليها رسولين . كما أرسل موسى وأخاه هارون - عليهما السّلام - إلى فرعون وملئه . فكذبهما أهل تلك القرية ، فعززهما اللّه برسول ثالث يؤكد أنه وأنهما رسل من عند اللّه . وتقدموا ثلاثتهم بدعواهم ودعوتهم من جديد
« فَقالُوا : إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ »
. . هنا اعتراض أهل القرية عليهم بالاعتراضات المكرورة في تاريخ الرسل والرسالات . .
« قالُوا : ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا »
. .
« وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ »
. .
« إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ »
. . وهذا الاعتراض المتكرر على بشرية الرسل تبدو فيه سذاجة التصور والإدراك ، كما يبدو فيه الجهل بوظيفة الرسول . فقد كانوا يتوقعون دائما أن يكون هناك سر غامض في شخصية الرسول وحياته تكمن وراءه الأوهام والأساطير . . أليس رسول السماء إلى الأرض فكيف لا تحيط به الأوهام والأساطير ؟ كيف يكون شخصية مكشوفة بسيطة لا أسرار فيها ولا ألغاز حولها ؟ ! شخصية بشرية عادية من الشخصيات التي تمتلئ بها الأسواق والبيوت ؟ ! وهذه هي سذاجة التصور والتفكير . فالأسرار والألغاز ليست صفة ملازمة للنبوة والرسالة . وليست في هذه الصورة الساذجة الطفولية . وإن هنالك لسرا هائلا ضخما ، ولكنه يتمثل في الحقيقة البسيطة الواقعة . حقيقة إيداع إنسان من هؤلاء البشر الاستعداد اللدني الذي يتلقى به وحي السماء ، حين يختاره اللّه لتلقي هذا الوحي العجيب . وهو أعجب من أن يكون الرسول ملكا كما كانوا يقترحون ! والرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية . وحياة الرسول هي النموذج الواقعي للحياة وفق ذلك المنهج الإلهي . النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به . وهم بشر . فلا بد أن يكون رسولهم من البشر ليحقق نموذجا من الحياة يملكون هم أن يقلدوه . ومن ثم كانت حياة الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - معروضة لأنظار أمته . وسجل القرآن - كتاب اللّه الثابت - المعالم الرئيسية في هذه الحياة بأصغر تفصيلاتها وأحداثها ، بوصفها تلك الصفحة المعروضة لأنظار أمته على مدار السنين والقرون . ومن هذه التفصيلات حياته المنزلية والشخصية . حتى خطرات قلبه سجلها القرآن في بعض الأحيان ، لتطلع عليها الأجيال وترى فيها قلب ذلك النبي الإنسان . ولكن هذه الحقيقة الواضحة القريبة هي التي ظلت موضع الاعتراض من بني الإنسان ! ولقد قال أهل تلك القرية لرسلهم الثلاثة :
« ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا »
. . وقصدوا أنكم لستم برسل . .
« وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ »
. . مما تدعون أنه نزله عليكم من الوحي والأمر بأن تدعونا إليه .
« إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ »
. . وتدعون أنكم مرسلون ! وفي ثقة المطمئن إلى صدقه ، العارف بحدود وظيفته أجابهم الرسل :
« قالُوا : رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ . وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ »
. . إن اللّه يعلم . وهذا يكفي وإن وظيفة الرسل البلاغ . وقد أدوه . والناس بعد ذلك أحرار فيما يتخذون