« يس . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ . لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ . وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ . إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ »
. .
يقسم اللّه سبحانه بهذين الحرفين : « يا . سين » كما يقسم بالقرآن الحكيم . وهذا الجمع بين الأحرف المقطعة والقرآن يرجح الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور ؛ والعلاقة بين ذكرها وذكر القرآن . وأن آية كونه من عند اللّه ، الآية التي لا يتدبرونها فيردهم القرآن إليها ، أنه مصوغ من جنس هذه الأحرف الميسرة لهم ؛ ولكن نسقه التفكيري والتعبيري فوق ما يملكون صياغته من هذه الحروف .
ويصف القرآن - وهو يقسم به - بأنه
« الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ »
. والحكمة صفة العاقل . والتعبير على هذا النحو يخلع على القرآن صفة الحياة والقصد والإرادة . وهي من مقتضيات أن يكون حكيما . ومع أن هذا مجاز إلا أنه يصور حقيقة ويقربها . فإن لهذا القرآن لروحا ! وإن له لصفات الحي الذي يعاطفك وتعاطفه حين تصفي له قلبك وتصغي له روحك ! وإنك لتطلع منه على دخائل وأسرار كلما فتحت له قلبك وخلصت له بروحك ! وإنك لتشتاق منه إلى ملامح وسمات ، كما تشتاق إلى ملامح الصديق وسماته ، حين تصاحبه فترة وتأنس به وتستروح ظلاله ! ولقد كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يحب أن يسمع تلاوة القرآن من غيره ؛ ويقف على الأبواب ينصت إذا سمع من داخلها من يرتل هذا القرآن . كما يقف الحبيب وينصت لسيرة الحبيب ! والقرآن حكيم . يخاطب كل أحد بما يدخل في طوقه . ويضرب على الوتر الحساس في قلبه . ويخاطبه بقدر .
ويخاطبه بالحكمة التي تصلحه وتوجهه .
والقرآن حكيم . يربي بحكمة ، وفق منهج عقلي ونفسي مستقيم . منهج يطلق طاقات البشر كلها مع توجيهها الوجه الصالح القويم . ويقرر للحياة نظاما كذلك يسمح بكل نشاط بشري في حدود ذلك المنهج الحكيم .
يقسم اللّه سبحانه بياء وسين والقرآن الحكيم على حقيقة الوحي والرسالة إلى الرسول الكريم :
« إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. .
وما به سبحانه من حاجة إلى القسم . ولكن هذا القسم منه - جل جلاله - بالقرآن وحروفه ، يخلع على المقسم به عظمة وجلالا ، فما يقسم اللّه سبحانه إلا بأمر عظيم ، يرتفع إلى درجة القسم به واليمين !
« إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ »
. . والتعبير على هذا النحو يوحي بأن إرسال الرسل أمر مقرر ، له سوابق مقررة .
فليس هو الذي يراد إثباته . إنما المراد أن يثبت هو أن محمدا - صلّى اللّه عليه وسلّم - من هؤلاء المرسلين . ويخاطبه هو بهذا القسم - ولا يوجهه إلى المنكرين المكذبين - ترفعا بالقسم وبالرسول وبالرسالة عن أن تكون موضع جدل أو مناقشة . إنما هو الإخبار المباشر من اللّه للرسول .
« إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. .
وهذا بيان لطبيعة الرسالة بعد بيان حقيقة الرسول . وطبيعة هذه الرسالة الاستقامة . فهي قائمة كحد السيف لا عوج فيها ولا انحراف ، ولا التواء فيها ولا ميل . الحق فيها واضح لا غموض فيه ولا التباس . ولا يميل مع هوى ولا ينحرف مع مصلحة . يجده من يطلبه في يسر وفي دقة وفي خلوص .
وهي لاستقامتها - بسيطة لا تعقيد فيها ولا لف ولا دوران . لا تعقد الأمور ولا توقع في إشكالات من القضايا