ولكنهم لا يهتاجون ولا يغتاظون ولا يجارون أهل اللغو فيردون عليهم بمثله ، ولا يدخلون معهم في جدل حوله ، لأن الجدل مع أهل اللغو لغو ؛ إنما يتركونهم في موادعة وسلام .
« وَقالُوا : لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ »
. .
هكذا في أدب ، وفي دعاء بالخير ، وفي رغبة في الهداية . . مع عدم الرغبة في المشاركة :
« لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ »
. .
ولا نريد أن ننفق معهم وقتنا الثمين ، ولا أن نجاريهم في لغوهم أو نسمع إليه صامتين ! .
إنها صورة وضيئة للنفس المؤمنة المطمئنة إلى إيمانها . تفيض بالترفع عن اللغو . كما تفيض بالسماحة والود .
وترسم لمن يريد أن يتأدب بأدب اللّه طريقه واضحا لا لبس فيه . فلا مشاركة للجهال ، ولا مخاصمة لهم ، ولا موجدة عليهم ، ولا ضيق بهم . إنما هو الترفع والسماحة وحب الخير حتى للجارم المسئ .
هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم القرآن . ووراءه من قومه من جهد جهده ليؤمن ؛ ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام . فلم يقدر اللّه له ذلك لأمر يعلمه من نفسه . وما كان النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليهدي من يحب . إنما يهدي اللّه من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان . .
« إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ »
. .
ورد في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقد كان يحوطه وينصره ، ويقف دونه في وجه قريش ، ويحميه حتى يبلغ دعوته ، ويحتمل في سبيل ذلك مقاطعة قريش له ولبني هاشم وحصارهم في الشعب . ولكنه إنما يفعل ذلك كله حبا لابن أخيه ، وحمية وإباء ونخوة . فلما حضرته الوفاة دعاه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى الإيمان والدخول في الإسلام ، فلم يكتب اللّه له هذا ، لما يعلمه سبحانه من أمره . .
قال الزهري : حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب بن حزن المخزومي - رضي اللّه عنه - قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد اللّه بن أمية ابن المغيرة . فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « يا عم قل : لا إله إلا اللّه كلمة أحاج لك بها عند اللّه » فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال : على ملة عبد المطلب . وأبى أن يقول : لا إله إلا اللّه . فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « واللّه لأستغفرن لك ما لم أنه عنك » فأنزل اللّه تعالى :
« ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى »
. وأنزل في أبي طالب :
« إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
. . ( أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري ) .
ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : « يا عماه . قل : لا إله إلا اللّه أشهد لك بها يوم القيامة » فقال : لولا أن تعيرني بها قريش يقولون : ما حمله عليها إلا جزع الموت لأقررت بها عينك . لا أقولها إلا لأقر بها عينك » . ونزل قول اللّه تعالى :
« إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ »
.