إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن ، ولم يحيطوا علما بهذا الدين .
فما هو إلا أن يصل إليهم ، ويعرض عليهم ، حتى تقوم الحجة ، وينقطع الجدل ، وتسقط المعذرة . فهو بذاته واضح واضح ، لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتبع هواه ، ولا يكذب به إلا متجن يظلم نفسه ، ويظلم الحق البين ولا يستحق هدى اللّه .
« إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »
.
ولقد انقطع عذرهم بوصول الحق إليهم ، وعرضه عليهم ، فلم يعد لهم من حجة ولا دليل . .
« وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »
. .
وحين تنتهي هذه الجولة ، فيتبين منها التواؤهم ومراؤهم ، يأخذ معهم في جولة أخرى تعرض عليهم صورة من استقامة الطبع وخلوص النية . تتجلى هذه الصورة في فريق من الذين أوتوا الكتاب من قبلهم ، وطريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ؛ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا : آمَنَّا بِهِ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ . أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ، وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ؛ وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ، وَقالُوا : لَنا أَعْمالُنا ، وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ »
. .
قال سعيد بن جبير - رضي اللّه عنه - نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي ، فلما قدموا على النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - قرأ عليهم :
« يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ »
حتى ختمها ، فجعلوا يبكون وأسلموا ؛ ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
. . إلخ » . .
وروى محمد بن إسحاق في السيرة : « ثم قدم على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك من النصارى ، حين بلغهم خبره من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فجلسوا إليه وكلموه ، وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلما فرغوا من مساءلة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - عما أرادوا دعاهم إلى اللّه تعالى ، وتلا عليهم القرآن . فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا للّه وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره . فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام ، في نفر من قريش ، فقالوا لهم : خيبكم اللّه من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال ؟ ما نعلم ركبا أحمق منكم ! فقالوا لهم : سلام عليكم لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه ، لم نأل أنفسنا خيرا » .
قال : ويقال : إن النفر النصارى من أهل نجران . فاللّه أعلم أي ذلك كان . قال : ويقال واللّه أعلم : إن فيهم نزلت هذه الآيات :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
. . إلخ » .
قال : وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت ؟ قال : ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه - رضي اللّه عنه - والآيات اللاتي في سورة المائدة :
« ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
. . . إلى قوله -
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ »
.
وأيا من كان الذين نزلت في أمرهم هذه الآيات ، فالقرآن يرد المشركين إلى حادث وقع ، يعلمونه ولا ينكرونه .
كي يقفهم وجها لوجه أمام نموذج من النفوس الخالصة كيف تتلقى هذا القرآن ، وتطمئن إليه ، وترى فيه الحق ، وتعلم مطابقته لما بين أيديها من الكتاب . ولا يصدها عنه صاد من هوى ولا من كبرياء ؛ وتحتمل في سبيل الحق