حتى يؤدي دوره كاملا في عمارة هذه الأرض ، ويحقق وعد اللّه بخلافة هذا المخلوق الإنساني فيها .
وليس الإنسان وحده هو المحجوب عن غيب اللّه ، ولكن كل من في السماوات والأرض من خلق اللّه .
من ملائكة وجن غيرهم ممن علمهم عند اللّه . فكلهم موكلون بأمور لا تستدعي انكشاف ستر الغيب لهم ، فيبقي سره عند اللّه دون سواه .
« قُلْ : لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ »
. .
وهو نص قاطع لا تبقى بعده دعوى لمدع ، ولا يبقى معه مجال للوهم والخرافة .
وبعد هذا التعميم في أمر الغيب يخصص في أمر الآخرة لأنها القضية التي عليها النزاع مع المشركين بعد قضية التوحيد :
« وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ »
. .
ينفي عنهم العلم بموعد البعث في أغمض صوره وهو الشعور . فهم لا يعلمون بهذا الموعد يقينا ، ولا يشعرون به حين يقترب شعورا . فذلك من الغيب الذي يقرر أن لا أحد يعلمه في السماوات ولا في الأرض . . ثم يضرب عن هذا ليتحدث في موقفهم هم من الآخرة ، ومدى علمهم بحقيقتها :
« بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ »
. .
فانتهى إلى حدوده ، وقصر عن الوصول إليها ، ووقف دونها لا يبلغها .
« بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها »
. .
لا يستيقنون بمجيئها ، بله أن يعرفوا موعدها ، وينتظروا وقوعها .
« بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ »
. .
بل هم عنها في عمى ، لا يبصرون من أمرها شيئا ، ولا يدركون من طبيعتها شيئا . . وهذه أشد بعدا عن الثانية وعن الأولى :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ ؟ »
. .
وهذه كانت العقدة التي يقف أمامها الذين كفروا دائما : أإذا فارقتنا الحياة ، ورمت أجسادنا وتناثرت في القبور ، وصارت ترابا . . أإذا وقع هذا كله - وهو يقع للموتى بعد فترة من دفنهم إلا في حالات نادرة شاذة - أإذا وقع هذا لنا ولآبائنا الذين ماتوا قبلنا يمكن أن نبعث أحياء كرة أخرى ، وأن تخرج من الأرض التي اختلط رفاتنا بترابها فصار ترابا ؟
يقولون هذا وتقف هذه الصورة المادية بينهم وبين تصور الحياة الأخرى . وينسون أنهم خلقوا أول مرة ولم يكونوا من قبل شيئا . ولا يدري أحد أين كانت الخلايا والذرات التي تكونت منها هياكلهم الأولى . فلقد كانت مفرقة في أطواء الأرض وأعماق البحار وأجواز الفضاء ، فمنها ما جاء من تربة الأرض ، ومنها ما جاء من عناصر الهواء والماء ، ومنها ما قدم من الشمس البعيدة ، ومنها ما تنفسه إنسان أو نبات أو حيوان ، ومنها ما انبعث من جسد رمّ وتبخرت بعض عناصره في الهواء ! . . ثمّ تمثلت هذه الخلايا والذرات في طعام يأكلونه ، وشراب يشربونه ، وهواء يتنفسونه ، وشعاع يستدفئون به . . ثم إذا هذا الشتيت الذي لا يعلم عدده إلا اللّه ، ولا يحصي مصادره إلا اللّه ، يتجمع في هيكل إنسان ؛ وهو ينمو من بويضة عالقة في رحم ، حتى يصير جسدا مسجى في كفن . . فهؤلاء في خلقتهم أول مرة ، فهل عجب أن يكونوا كذلك أو على نحو آخر في المرة الآخرة !