المساعدة للحياة . ولو اختل شرط واحد من الشروط الكثيرة المتوافرة في تصميم هذا الوجود وتنسيقه لأصبح وجود الحياة على هذه الأرض مستحيلا « 1 » .
وأخيرا أليس هو اللّه الذي قدر الموت والحياة ، واستخلف جيلا بعد جيل ؛ ولو عاش الأولون لضاقت الأرض بهم وبالآخرين ؛ ولأبطأ سير الحياة والحضارة والتفكير ، لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بتجدد الأفكار والتجارب والمحاولات ، وتجدد أنماط الحياة ، بغير تصادم بين القدامى والمحدثين إلا في عالم الفكر والشعور .
فأما لو كان القدامى أحياء لتضخم التصادم والاعتراض ! ولتعطل موكب الحياة المندفع إلى الأمام ! إنها كلها حقائق في الأنفس كتلك الحقائق في الآفاق . فمن الذي حقق وجودها وأنشأها ؟ من ؟
« أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ »
. .
إنهم لينسون ويغفلون . هذه الحقائق كامنة في أعماق النفوس ، مشهودة في واقع الحياة :
« قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ »
! ولو تذكر الإنسان وتدبر مثل هذه الحقائق لبقي موصولا باللّه صلة الفطرة الأولى . ولما غفل عن ربه ، ولا أشرك به أحدا .
ثم يمضي السياق إلى بعض الحقائق الأخرى الممثلة في حياة الناس ونشاطهم على هذا الكوكب ، ومشاهداتهم التي لا تنكر :
« أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ؟ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ! »
. .
والناس - ومنهم المخاطبون أول مرة بهذا القرآن - يسلكون فجاج البر والبحر في أسفارهم ؛ ويسبرون أسرار البر والبحر في تجاربهم . . ويهتدون . . فمن يهديهم ؟ من أودع كيانهم تلك القوى المدركة ؟ من أقدرهم على الاهتداء بالنجوم وبالآلات وبالمعالم ؟ من وصل فطرتهم بفطرة هذا الكون ، وطاقاتهم بأسراره ؟ من جعل لآذانهم تلك القدرة على التقاط الأصوات ، ولعيونهم تلك القدرة على التقاط الأضواء ؟ ولحواسهم تلك القدرة على التقاط المحسوسات ؟ ثم جعل لهم تلك الطاقة المدركة المسماة بالعقل أو القلب للانتفاع بكل المدركات ، وتجميع تجارب الحواس والإلهامات ؟
من ؟ أإله مع اللّه ؟
« وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ؟ »
. .
والرياح ، مهما قيل في أسبابها الفلكية والجغرافية ، تابعة للتصميم الكوني الأول ، الذي يسمح بجريانها على النحو الذي تجري به ، حاملة السحب من مكان إلى مكان ، مبشرة بالمطر الذي تتجلى فيه رحمة اللّه ، وهو سبب الحياة .
فمن الذي فطر هذا الكون على خلقته ، فأرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ؟ من ؟
« أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ »
. .
« تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ! »
.
ويختم هذه الإيقاعات بسؤال عن خلقتهم وإعادتهم ورزقهم من السماء والأرض ، مع التحدي والإفحام :
هامش
( 1 ) يراجع تفسير قوله تعالى :« وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً »في سورة الفرقان . جزء 19 ، ص 2548 .