تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2547

مساهمون:

ص٢٥٤٧
مُنِيراً . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً »
. . ولكنهم هم لا يتذكرون ولا يشكرون . . ثم يجئ الشوط الأخير يصور
« عِبادُ الرَّحْمنِ »
الذين يسجدون له ويعبدونه ، ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة . ويفتح باب التوبة لمن يرغب في أن يسلك طريقة عباد الرحمن . ويصور جزاءهم على صبرهم على تكاليف الإيمان والعبادة :
« أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً »
. وتختم السورة بتقرير هوان البشرية على اللّه لولا هذه القلوب الطائعة المستجيبة العارفة باللّه في هذا القطيع الشارد الضال من المكذبين والجاحدين . . وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه منهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فهو يتفق مع ظل السورة وجوها ، ويتفق مع موضوعها وأهدافها ، على طريقة التناسق الفني في القرآن . والآن نبدأ الشوط الأول بالتفصيل :
« تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً . وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ؛ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ؛ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً »
. . إنه البدء الموحي بموضوع السورة الرئيسي : تنزيل القرآن من عند اللّه ، وعموم الرسالة إلى البشر جميعا . ووحدانية اللّه المطلقة . وتنزيهه عن الولد والشريك ، وملكيته لهذا الكون كله ، وتدبيره بحكمة وتقدير . . وبعد ذلك كله يشرك المشركون ، ويفتري المفترون ، ويجادل المجادلون ، ويتطاول المتطاولون !
« تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً »
. . والتبارك تفاعل من البركة ، يوحي بالزيادة فيها والفيض والرفعة جميعا . ولم يذكر لفظ الجلالة واكتفى بالاسم الموصول
« الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ »
لإبراز صلته وإظهارها في هذا المقام ، لأن موضوع الجدل في السورة هو صدق الرسالة وتنزيل القرآن . وسماه الفرقان . بما فيه من فارق بين الحق والباطل ، والهدي والضلال . بل بما فيه من تفرقة بين نهج في الحياة ونهج ، وبين عهد للبشرية وعهد . فالقرآن يرسم منهجا واضحا للحياة كلها في صورتها المستقرة في الضمير ، وصورتها الممثلة في الواقع . منهجا لا يختلط بأي منهج آخر مما عرفته البشرية قبله . ويمثل عهدا جديدا للبشرية في مشاعرها وفي واقعها لا يختلط كذلك بكل ما كان قبله . فهو فرقان بهذا المعنى الواسع الكبير . فرقان ينتهي به عهد الطفولة ويبدأ به عهد الرشد . وينتهي به عهد الخوارق المادية ويبدأ به عهد المعجزات العقلية . وينتهي به عهد الرسالات المحلية الموقوتة ، ويبدأ به عهد الرسالة العامة الشاملة :
« لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً »
. وفي موضع التكريم لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وفي مقام التعظيم يصفه بالعبودية :
« عَلى عَبْدِهِ »
. . كذلك وصفه في مقام الإسراء والمعراج في سورة الإسراء :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى »
. وكذلك وصفه في مقام دعائه ومناجاته في سورة الجن :
« وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ . . »
وكذلك يصفه هنا في مقام تنزيل الفرقان عليه كما وصفه في مثل هذا المقام في مطلع سورة الكهف :