الشاقة مع البشرية الجاحدة الضالة المعاندة المشاقة ؛ وكأنما هم الثمرة الحلوة الجنية الممثلة للخير الكامن في شجرة البشرية ذات الأشواك .
وتختم السورة بتصوير هوان البشرية على اللّه ، لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجئ إليه وتدعوه :
« قُلْ : ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ . فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً »
. .
هذه هي ظلال السورة ؛ وذلك هو محورها الذي تدور عليه ، وموضوعها الذي تعالجه . وهي وحدة متصلة ، يصعب فصل بعضها عن بعض . ولكن يمكن تقسيمها إلى أربعة أشواط في علاج هذا الموضوع .
يبدأ الشوط الأول منها بتسبيح اللّه وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا . وبتوحيد اللّه المالك لما في السماوات والأرض ، المدبر للكون بحكمة وتقدير ، ونفي الولد والشريك . ثم يذكر اتخاذ المشركين مع ذلك آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم يخلقون . . كل أولئك قبل أن يحكي مقولاتهم المؤذية عن الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - من تكذيبه فيما جاءهم به ، وادعائهم أنه إفك افتراه ، وأنه أساطير الأولين اكتتبها . وقبل أن يحكي اعتراضاتهم على بشرية الرسول وحاجته للطعام والمشي في الأسواق ، واقتراحاتهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز ، أو تكون له جنة يأكل منها . وقحتهم في وصفه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بأنه رجل مسحور . . وكأنما يسبق بمقولاتهم الجاحدة لربهم كي يهون على نفس الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - مقولاتهم عنه وعن رسالته . . ومن ثم يعلن ضلالهم وتكذيبهم بالساعة ، ويتوعدهم بما أعده اللّه لهم من سعير ، يلقون فيها مكانا ضيقا مقرنين . ويعرض في الصفحة المقابلة صورة المؤمنين في الجنة .
« لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ »
. . ويستمر في عرض مشهدهم يوم الحشر ، ومواجهتهم بما كانوا يعبدون من دون اللّه ، وتكذيب هؤلاء لهم فيما كانوا يدعون على اللّه من شرك . . وينتهي هذا الشوط بتسلية الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - بأن الرسل جميعا كانوا بشرا مثله ، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق .
ويبدأ الشوط الثاني بتطاول المكذبين بلقاء اللّه على اللّه ، وقولهم :
« لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا »
.
ويعاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة . .
« وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً »
. .
« وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ : يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا »
. . ليكون في ذلك تأسية للرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهم يهجرون القرآن ، وهو يشكو لربه هذا الهجران . وهم يعترضون على طريقة تنزيله ؛ ويقولون :
« لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً »
. ويعقب على هذا الاعتراض بمشهدهم يوم القيامة يحشرون على وجوههم ، وهم المكذبون بيوم القيامة ، وبتصوير عاقبة المكذبين قبلهم من قوم موسى وقوم نوح ، وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك ، ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون .
فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقولهم :
« أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ؟ »
ثم يعقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام بل دون ذلك :
« إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا »
.
والشوط الثالث جولة في مشاهد الكون تبدأ بمشهد الظل ، وتستطرد إلى تعاقب الليل والنهار ، والرياح المبشرة بالماء المحيي ، وخلقة البشر من الماء . ومع هذا فهم يعبدون من دون اللّه ما لا ينفعهم ولا يضرهم ، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم ، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة اللّه الحق . .
« وَإِذا قِيلَ لَهُمُ : اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا : وَمَا الرَّحْمنُ ؟ »
. . وهو
« الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً