وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ . وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ . وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ . وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ . . إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ »
. .
لا يتسرب إلى نفسك شك في فساد عبادة هؤلاء . والخطاب للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والتحذير لقومه . وهذا الأسلوب أفعل في النفس أحيانا ، لأنه يوحي بأنها قضية موضوعية يبينها اللّه لرسوله ، وليست جدالا مع أحد ، ولا خطابا للمتلبسين بها ، إهمالا لهم وقلة انشغال بهم ! وعندئذ يكون لتلك الحقيقة الخالصة المجردة أثرها في اهتمامهم أكثر مما لو خوطبوا بها خطابا مباشرا . .
« فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ . ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ »
. .
ومصيرهم إذن كمصيرهم . . العذاب . . ولكنه يلفه كذلك في التعبير تمشيا مع الأسلوب :
« وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ »
. .
ومعروف نصيبهم هذا من نصيب القوم قبلهم . وقد رأينا منه نماذج ومشاهد ! وقد لا يصيبهم عذاب الاستئصال - في الدنيا - كما لم يصب قوم موسى :
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ »
. .
وتفرقت كلمتهم واعتقاداتهم وعباداتهم ، ولكن كلمة سبقت من اللّه أن يكون حسابهم الكامل يوم القيامة :
« وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ »
. .
ولحكمة ما سبقت هذه الكلمة ، ولم يحل عذاب الاستئصال بهم ، لأن لهم كتابا ، والذين لهم كتاب من أتباع الرسل كلهم مؤجلون إلى يوم القيامة ، لأن الكتاب دليل هداية باق ، تستطيع الأجيال أن تتدبره كالجيل الذي أنزل فيه . والأمر ليس كذلك في الخوارق المادية التي لا يشهدها إلا جيل ، فإما أن يؤمن بها وإما أن لا يؤمن فيأخذه العذاب . . والتوراة والإنجيل كتابان متكاملان يظلان معروضين للأجيال حتى يجيء الكتاب الأخير ، مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل فيصبح هو الكتاب الأخير للناس جميعا يدعى إليه الناس جميعا ، ويحاسب على أساسه الناس جميعا ، بما فيهم أهل التوراة وأهل الإنجيل .
« وَإِنَّهُمْ »
. . أي قوم موسى . .
« لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ »
. . من كتاب موسى ، لأنه لم يكتب إلا بعد أجيال ، وتفرقت فيه الروايات واضطربت ، فلا يقين فيه لمتبعيه .
وإذا كان العذاب قد أجل . . فإن الكل سيوفون أعمالهم خيرها وشرها . سيوفيهم بها العليم الخبير بها ولن تضيع :
« وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ . إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ »
وفي التعبير توكيدات منوعة حتى لا يشك أحد في الجزاء والوفاء من جراء الإنظار والتأجيل . وحتى لا يشك أحد في أن ما عليه القوم هو الباطل الذي لا شك في بطلانه ، وأنه الشرك الذي زاوله من قبل كل المشركين . .
ولقد كان لهذه التوكيدات ما يقتضيها من واقع الحركة في تلك الفترة . فقد وقف المشركون وقفتهم العنيدة منها ومن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه ، وتجمدت الدعوة على وجه التقريب . بينما عذاب اللّه الموعود مؤجل لم يقع بعد . والأذى ينزل بالعصبة المؤمنة ويمضي أعداؤها ناجين ! . . إنها فترة تهتز