هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه . ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير .
« فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ »
. .
جزاء هذا الانحراف .
« وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ »
. .
والاستقامة على الطريق في مثل هذه الفترة أمر شاق عسير يحتاج إلى زاد يعين . .
واللّه - سبحانه - يرشد رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ومن معه من القلة المؤمنة إلى زاد الطريق :
« وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ »
. .
ولقد علم اللّه أن هذا هو الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد ، والذي يقيم البنية الروحية ، ويمسك القلوب على الحق الشاق التكاليف . ذلك أنه يصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود ، القريب المجيب ، وينسم عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها في تلك الجاهلية النكدة الكنود ! والآية هنا تذكر طرفي النهار - وهما أوله وآخره ، وزلفا من الليل أي قريبا من الليل . وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها . والعدد محدد بالسنة ومواقيته كذلك .
والنص يعقب على الأمر بإقامة الصلاة - أي أدائها كاملة مستوفاة - بأن الحسنات يذهبن السيئات . وهو نص عام يشمل كل حسنة ، والصلاة من أعظم الحسنات ، فهي داخلة فيه بالأولوية . لا أن الصلاة هي الحسنة التي تذهب السيئة بهذا التحديد - كما ذهب بعض المفسرين - :
« ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ »
. .
فالصلاة ذكر في أساسها ومن ثم ناسبها هذا التعقيب . .
والاستقامة في حاجة إلى الصبر . كما أن انتظار الأجل لتحقيق سنة اللّه في المكذبين يحتاج إلى الصبر . .
ومن ثم كان التعقيب على الأمر بالاستقامة وعلى ما سبقه في السياق هو :
« وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ »
. .
والاستقامة إحسان . وإقامة الصلاة في أوقاتها إحسان . والصبر على كيد التكذيب إحسان . . . واللّه لا يضيع أجر المحسنين . . .
ثم يعود السياق إلى تكملة التعليق والتعقيب على مصارع القرى والقرون . فيشير من طرف خفي إلى أنه لو كان في هذه القرون أولو بقية يستبقون لأنفسهم الخير عند اللّه ، فينهون عن الفساد في الأرض ، ويصدون الظالمين عن الظلم ، ما أخذ تلك القرى بعذاب الاستئصال الذي حل بهم ، فإن اللّه لا يأخذ القرى بالظلم إذا كان أهلها مصلحين ، أي إذا كان للمصلحين من أهلها قدرة يصدون بها الظلم والفساد ، إنما كان في هذه القرى قلة من المؤمنين لا نفوذ لهم ولا قوة ، فأنجاهم اللّه . وكان فيها كثرة من المترفين وأتباعهم والخانعين لهم ، فأهلك القرى بأهلها الظالمين :
« فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ ! إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ . وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ »
. .