تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1924

مساهمون:

ص١٩٢٤

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 96 إلى 99 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ( 98 ) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ( 99 ) وخاتمة ذلك القصص هذه الإشارة إلى قصة موسى مع فرعون ، لتسجيل نهاية فرعون وملئه ، ونهاية قومه الذين ائتمروا بأمره . وتتضمن هذه الإشارة العابرة إيماءات كثيرة إلى وقائع القصة التي لم تذكر هنا ، كما تضم مشهدا من مشاهد القيامة الحية المتحركة . وهذا وذلك إلى تقرير مبدأ رئيسي من مبادئ الإسلام . مبدأ التبعة الفردية التي لا يسقطها اتباع الرؤساء والكبراء . . ويبدأ المشهد المعروض هنا بإرسال موسى بالآيات مزودا بقوة من اللّه وسلطان ، إلى فرعون ذي السلطان وكبراء قومه .
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ . إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ »
. . ويجمل السياق خطوات القصة كلها ليصل إلى نهايتها ، فإذا هم يتبعون أمر فرعون ، ويعصون أمر اللّه . على ما في أمر فرعون من حماقة وجهل وشطط :
« فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ . وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ »
. . ولما كانوا تبعا لفرعون في هذا الأمر ، يمشون خلفه ، ويتبعون خطواته الضالة بلا تدبر ولا تفكر ، ودون أن يكون لهم رأي ، مستهينين بأنفسهم ، متخلين عن تكريم اللّه لهم بالإرادة والعقل وحرية الاتجاه واختيار الطريق . . لما كانوا كذلك فإن السياق يقرر أن فرعون سيقدمهم يوم القيامة ويكونون له تبعا :
« يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
. . وبينما نحن نسمع حكاية عن الماضي ووعدا عن المستقبل ، إذا المشهد ينقلب ، وإذا المستقبل ماض قد وقع ، وإذا فرعون قد قاد قومه إلى النار وانتهى :
« فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ »
! ! أوردهم كما يورد الراعي قطيع الغنم . ألم يكونوا قطيعا يسير بدون تفكير ؟ ألم يتنازلوا عن أخص خصائص الآدمية وهي حرية الإرادة والاختيار ؟ فأوردهم النار . ويا بئساه من ورد لا يروي غلة ، ولا يشفي صدى ، إنما يشوي البطون والقلوب :
« وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ! »
. وإذا ذلك كله . قيادة فرعون لهم ، وإيرادهم موردهم . . إذا ذلك كله حكاية تروى ، ويعلق عليها :
« وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ »
. . ويسخر منها ويتهكم عليها :
« بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 1924 | سيد قطب