« قالُوا : يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ ، وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ، وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ، وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ »
. .
فهم ضيقو الصدور بالحق الواضح ، لا يريدون أن يدركوه :
« قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ »
. .
وهم يقيسون القيم في الحياة بمقياس القوة المادية الظاهرة :
« وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً »
. .
فلا وزن عندهم للحقيقة القوية التي يحملها ويواجههم بها .
« وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ »
. .
ففي حسابهم عصبية العشيرة ، لا عصبية الاعتقاد ، وصلة الدم لا صلة القلب . ثم هم يغفلون عن غيرة اللّه على أوليائه فلا يضعونها في الحساب .
« وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ »
. .
لا عزة التقدير والكرامة ولا عزة الغلب والقهر . ولكننا نحسب حساب الأهل والعشيرة ! وحين تفرغ النفوس من العقيدة القويمة والقيم الرفيعة والمثل العالية ؛ فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا ؛ فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة ، ولا لحقيقة كبيرة ؛ ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه ؛ وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه . أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية .
وعندئذ تأخذ شعيبا الغيرة على جلال ربه ووقاره ؛ فيتنصل من الاعتزاز برهطه وقومه ؛ ويجبههم بسوء التقدير لحقيقة القوى القائمة في هذا الوجود ، وبسوء الأدب مع اللّه المحيط بما يعملون . ويلقي كلمته الفاصلة الأخيرة . ويفاصل قومه على أساس العقيدة ، ويخلي بينهم وبين اللّه ، وينذرهم العذاب الذي ينتظر أمثالهم ، ويدعهم لمصيرهم الذي يختارون :
« قالَ : يا قَوْمِ : أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا ؟ إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ »
. .
« أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ؟ »
. .
أجماعة من البشر مهما يكونوا من القوة والمنعة فهم ناس ، وهم ضعاف ، وهم عباد من عباد اللّه . . أهؤلاء أعز عليكم من اللّه ؟ . . أهؤلاء أشد قوة ورهبة في نفوسكم من اللّه ؟
« وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا »
. .
وهي صورة حسية للترك والإعراض ، تزيد في شناعة فعلتهم ، وهم يتركون اللّه ويعرضون عنه ، وهم من خلقه ، وهو رازقهم وممتعهم بالخير الذي هم فيه . فهو البطر وجحود النعمة وقلة الحياء إلى جانب الكفر والتكذيب وسوء التقدير .
« إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ »
. .