« فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ »
. .
فلما جاء موعد تحقيق الأمر - وهو الإنذار أو الإهلاك - نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا . .
خاصة ومباشرة . . نجيناه من الموت ومن خزي ذلك اليوم ، فقد كانت ميتة ثمود ميتة مخزية ، وكان مشهدهم جاثمين في دورهم بعد الصاعقة المدوية التي تركتهم موتى على هيئتهم مشهدا مخزيا .
« إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ »
. .
يأخذ العتاة أخذا ولا يعز عليه أمر ، ولا يهون من يتولاه ويرعاه .
ثم يعرض السياق مشهدهم ، معجّبا منهم ، ومن سرعة زوالهم :
« كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها »
. .
كأن لم يقيموا ويتمتعوا . . وإنه لمشهد مؤثر ، وإنها للمسة مثيرة ، والمشهد معروض ، وما بين الحياة والموت - بعد أن يكون - إلا لمحة كومضة العين ، وإذا الحياة كلها شريط سريع . كأن لم يغنوا فيها . . .
ثم الخاتمة المعهودة في هذه السورة : تسجيل الذنب ، وتشييع اللعنة ، وانطواء الصفحة من الواقع ومن الذكرى :
« أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ . أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ! »
. .
* * * ومرة أخرى نجدنا أمام حلقة من حلقات الرسالة على مدار التاريخ . . الدعوة فيها هي الدعوة . وحقيقة الإسلام فيها هي حقيقته . . عبادة اللّه وحده بلا شريك ، والدينونة للّه وحده بلا منازع . . ومرة أخرى نجد الجاهلية التي تعقب الإسلام ، ونجد الشرك الذي يعقب التوحيد - فثمود كعاد هم من ذراري المسلمين الذين نجوا في السفينة مع نوح - ولكنهم انحرفوا فصاروا إلى الجاهلية ، حتى جاءهم صالح ليردهم إلى الإسلام من جديد . .
ثم نجد أن القوم يواجهون الآية الخارقة التي طلبوها ، لا بالإيمان والتصديق ، ولكن بالجحود وعقر الناقة ! ولقد كان مشركو العرب يطلبون من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - خارقة كالخوارق السابقة كي يؤمنوا .
فها هم أولاء قوم صالح قد جاءتهم الخارقة التي طلبوا . فما أغنت معهم شيئا ! إن الإيمان لا يحتاج إلى الخوارق .
إنه دعوة بسيطة تتدبرها القلوب والعقول . ولكن الجاهلية هي التي تطمس على القلوب والعقول : ! ! ! ومرة أخرى نجد حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلب من قلوب الصفوة المختارة . قلوب الرسل الكرام .
نجدها في قولة صالح التي يحكيها عنه القرآن الكريم :
« قالَ : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً ، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ؟ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ »
. . وذلك بعد أن يصف لهم ربه كما يجده في قلبه :
« إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ »
. .
وما تتجلى حقيقة الألوهية قط في كمالها وجلالها وروائها وجمالها كما تتجلى في قلوب تلك الصفوة المختارة من عباده . فهذه القلوب هي المعرض الصافي الرائق الذي تتجلى فيه هذه الحقيقة على هذا النحو الفريد العجيب « 1 » !
هامش
( 1 ) يراجع فصل « حقيقة الألوهية » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الثاني . « دار الشروق » .