وأخلاق :
« سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها ، وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »
. . فيدل هذا البدء الفريد على مدى اهتمام القرآن بالعنصر الأخلاقي في الحياة ، ومدى عمق هذا العنصر وأصالته في العقيدة الإسلامية ، وفي فكرة الإسلام عن الحياة الإنسانية . .
والمحور الذي تدور عليه السورة كلها هو محور التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود . وترق إلى درجة اللمسات الوجدانية الرفيقة ، التي تصل القلب بنور اللّه وبآياته المبثوثة في تضاعيف الكون وثنايا الحياة . والهدف واحد في الشدة واللين . هو تربية الضمائر ، واستجاشة المشاعر ؛ ورفع المقاييس الأخلاقية للحياة ، حتى تشف وترف ، وتتصل بنور اللّه . . وتتداخل الآداب النفسية الفردية ، وآداب البيت والأسرة ، وآداب الجماعة والقيادة . بوصفها نابعة كلها من معين واحد هو العقيدة في اللّه ، متصلة كلها بنور واحد هو نور اللّه . وهي في صميمها نور وشفافية ، وإشراق وطهارة . تربية عناصرها من مصدر النور الأول في السماوات والأرض . نور اللّه الذي أشرقت به الظلمات . في السماوات والأرض ، والقلوب والضمائر ، والنفوس والأرواح .
ويجري سياق السورة حول محورها الأصيل في خمسة أشواط :
الأول يتضمن الإعلان الحاسم الذي تبدأ به ؛ ويليه حد الزنا ، وتفظيع هذه الفعلة ، وتقطيع ما بين الزناة والجماعة المسلمة ، فلا هي منهم ولا هم منها . ثم بيان حد القذف وعلة التشديد فيه ؛ واستثناء الأزواج من هذا الحد مع التفريق بين الزوجين بالملاعنة . ثم حديث الإفك وقصته . . وينتهي هذا الشوط بتقرير مشاكلة الخبيثين للخبيثات ، ومشاكلة الطيبين للطيبات . وبالعلاقة التي تربط بين هؤلاء وهؤلاء .
ويتناول الشوط الثاني وسائل الوقاية من الجريمة ، وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية . فيبدأ بآداب البيوت والاستئذان على أهلها ، والأمر بغض البصر والنهي عن إبداء الزينة للمحارم . والحض على إنكاح الأيامى . والتحذير من دفع الفتيات إلى البغاء . . وكلها أسباب وقائية لضمانة الطهر والتعفف في عالم الضمير والشعور ، ودفع المؤثرات التي تهيج الميول الحيوانية ، وترهق أعصاب المتحرجين المتطهرين ، وهم يقاومون عوامل الإغراء والغواية .
والشوط الثالث يتوسط مجموعة الآداب التي تتضمنها السورة ، فيربطها بنور اللّه . ويتحدث عن أطهر البيوت التي يعمرها وهي التي تعمر بيوت اللّه . . وفي الجانب المقابل الذين كفروا وأعمالهم كسراب من اللمعان الكاذب ؛ أو كظلمات بعضها فوق بعض . ثم يكشف عن فيوض من نور اللّه في الآفاق : في تسبيح الخلائق كلها للّه . وفي إزجاء السحاب . وفي تقليب الليل والنهار . وفي خلق كل دابة من ماء ، ثم اختلاف أشكالها ووظائفها وأنواعها وأجناسها ، مما هو معروض في صفحة الكون للبصائر والأبصار . .
والشوط الرابع يتحدث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في الطاعة والتحاكم . ويصور أدب المؤمنين الخالص وطاعتهم . ويعدهم ، على هذا ، الاستخلاف في الأرض والتمكين في الدين ، والنصر على الكافرين .
ثم يعود الشوط الخامس إلى آداب الاستئذان والضيافة في محيط البيوت بين الأقارب والأصدقاء . وإلى آداب الجماعة المسلمة كلها كأسرة واحدة ، مع رئيسها ومربيها - رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .