تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2423

مساهمون:

ص٢٤٢٣
والإسلام يوحد المشاعر والاتجاهات ، ويتوجه بها كلها إلى اللّه . ومن ثم يعنى بتوجيه الشعور والعمل ، والنشاط والعبادة ، والحركة والعادة ؛ إلى تلك الوجهة الواحدة . وبذلك تصطبغ الحياة كلها بصبغة العقيدة . وعلى هذا الأساس حرم من الذبائح ما أهل لغير اللّه به ؛ وحتم ذكر اسم اللّه عليها ، حتى ليجعل ذكر اسم اللّه هو الغرض البارز ، وكأنما تذبح الذبيحة بقصد ذكر اسم اللّه .
« وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ »
. . ويعقب بتقرير الوحدانية :
« فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ »
. . وبالأمر بالإسلام له وحده :
« فَلَهُ أَسْلِمُوا »
. . وليس هو إسلام الإجبار والاضطرار ، إنما هو إسلام التسليم والاطمئنان :
« وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ . الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ »
فبمجرد ذكر اسم اللّه يحرك الوجل في ضمائرهم ومشاعرهم .
« وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ »
فلا اعتراض لهم على قضاء اللّه فيهم .
« وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ »
. فهم يعبدون اللّه حق عبادته .
« وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »
فهم لا يضنون على اللّه بما في أيديهم . . وهكذا يربط بين العقيدة والشعائر . فهي منبثقة من العقيدة وقائمة عليها . والشعائر تعبير عن هذه العقيدة ورمز لها . والمهم أن تصطبغ الحياة كلها ويصطبغ نشاطها كله بتلك الصبغة ، فتتوحد الطاقة ويتوحد الاتجاه ، ولا تتمزق النفس الإنسانية في شتى الاتجاهات « 1 » . ويستطرد السياق في تقرير هذا المعنى وتوكيده وهو يبين شعائر الحج بنحر البدن :
« وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ، فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ . فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ . كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . . لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ، وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ، كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ، وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ »
. . ويخص البدن بالذكر لأنها أعظم الهدي ، فيقرر أن اللّه أراد بها الخير لهم ، فجعل فيها خيرا وهي حية تركب وتحلب ، وهي ذبيحة تهدى وتطعم فجزاء ما جعلها اللّه خيرا لهم أن يذكروا اسم اللّه عليها ويتوجهوا بها إليه وهي تهيأ للنحر بصف أقدامها :
« فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ »
. والإبل تنحر قائمة على ثلاث معقولة الرجل الرابعة -
« فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها »
واطمأنت على الأرض بموتها أكل منها أصحابها استحبابا ، وأطعموا منها الفقير القانع الذي لا يسأل والفقير المعتر الذي يتعرض للسؤال . فلهذا سخرها اللّه للناس ليشكروه على ما قدر لهم فيها من الخير حية وذبيحة :
« كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. . وهم حين يؤمرون بنحرها باسم اللّه
« لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها »
فإن اللحوم والدماء لا تصل إلى اللّه سبحانه . إنما تصل إليه تقوى القلوب وتوجهاتها - لا كما كان مشركو قريش يلطخون أوثانهم وآلهتهم بدماء الأضحيات على طريقة الشرك المنحرفة الغليظة !
« كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ »
. . فقد هداكم إلى توحيده والاتجاه إليه وإدراك حقيقة الصلة بين الرب والعباد ، وحقيقة الصلة بين العمل والاتجاه .
« وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ »
. . الذين يحسنون التصور ، ويحسنون الشعور ، ويحسنون العبادة ، ويحسنون الصلة باللّه في كل نشاط الحياة . وهكذا لا يخطو المسلم في حياته خطوة ، ولا يتحرك في ليله أو نهاره حركة ، إلا وهو ينظر فيها إلى اللّه .
هامش
( 1 ) يراجع فصل : العقيدة والحياة ، في كتاب : السلام العالمي والإسلام .