الآلهة المدعاة - على ما رزقهم من بهيمة الأنعام . ويأكلوا منها ويطعموا البائس الفقير على اسم اللّه دون سواه . .
فهو بيت حرام حرمات اللّه فيه مصونة - وأولها عقيدة التوحيد ، وفتح أبوابه للطائفين والقائمين والركع السجود - إلى جانب حرمة الدماء ، وحرمة العهود والمواثيق . وحرمة الهدنة والسلام .
« ذلِكَ . وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ . وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ - إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ - فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ، حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ »
. .
وتعظيم حرمات اللّه يتبعه التحرج من المساس بها . وذلك خير عند اللّه . خير في عالم الضمير والمشاعر ، وخير في عالم الحياة والواقع . فالضمير الذي يتحرج هو الضمير الذي يتطهر والحياة التي ترعى فيها حرمات اللّه هي الحياة التي يأمن فيها البشر من البغي والاعتداء ، ويجدون فيها متابة أمن ، وواحة سلام ، ومنطقة اطمئنان . .
ولما كان المشركون يحرمون بعض الأنعام - كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي - فيجعلون لها حرمة ، وهي ليست من حرمات اللّه بينما هم يعتدون على حرمات اللّه - فإن النص يتحدث عن حل الأنعام إلا ما حرم اللّه منها - كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به :
« وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ »
. وذلك كيلا تكون هنالك حرمات إلا للّه ؛ وألا يشرع أحد إلا بإذن اللّه ؛ ولا يحكم إلا بشريعة اللّه .
وبمناسبة حل الأنعام يأمر باجتناب الرجس من الأوثان . وقد كان المشركون يذبحون عليها وهي رجس - والرجس دنس النفس - والشرك باللّه دنس يصيب الضمير ويلوث القلوب ، ويشوب نقاءها وطهارتها كما تشوب النجاسة الثوب والمكان .
ولأن الشرك افتراء على اللّه وزور ، فإنه يحذر من قول الزور كافة :
« فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ »
. .
ويغلظ النص من جريمة قول الزور إذ يقرنها إلى الشرك . . وهكذا روى الإمام أحمد - بإسناده - عن فاتك الأسدي قال : صلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الصبح . فلما انصرف قام قائما فقال : « عدلت شهادة الزور الإشراك باللّه عزّ وجل » ثم تلا هذه الآية . . .
إنما يريد اللّه من الناس أن يميلوا عن الشرك كله ، وأن يجتنبوا الزور كله ، وأن يستقيموا على التوحيد الصادق الخالص :
« حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ »
. . ثم يرسم النص مشهدا عنيفا يصور حال من تزل قدماه عن أفق التوحيد ، فيهوي إلى درك الشرك . فإذا هو ضائع ذاهب بددا كأن لم يكن من قبل أبدا :
« وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ »
. .
إنه مشهد الهويّ من شاهق
« فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ »
. وفي مثل لمح البصر يتمزق
« فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ »
أو تقذف به الريح بعيدا عن الأنظار :
« أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ »
في هوة ليس لها قرار ! والملحوظ هو سرعة الحركة مع عنفها وتعاقب خطواتها في اللفظ « بالفاء » وفي المنظر بسرعة الاختفاء . .
على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير .
وهي صورة صادقة لحال من يشرك باللّه ، فيهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء .
إذ يفقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها . قاعدة التوحيد . ويفقد المستقر الآمن الذي يثوب إليه ؛ فتتخطفه