وهؤلاء المشركون كانوا يستعجلون بالعذاب ، ويسألون متى هذا الوعد . الوعد بعذاب الآخرة وعذاب الدنيا . . فها هو ذا القرآن يرسم لهم مشهدا من عذاب الآخرة ، ويحذرهم ما أصاب المستهزئين قبلهم من عذاب الدنيا :
« لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ . بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ . . وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ »
.
لو يعلمون ما سيكون لكان لهم شأن غير شأنهم ، ولكفوا عن استهزائهم واستعجالهم . . فلينظروا ما ذا سيكون .
ها هم أولاء تنوشهم النار من كل جانب ، فيحاولون في حركة مخبلة - يرسمها التعبير من وراء السطور - أن يكفوا النار عن وجوههم وعن ظهورهم ، ولكنهم لا يستطيعون . وكأنما تلقفتهم النار من كل جانب ، فلا هم يستطيعون ردها ، ولا هم يؤخرون عنها ، ولا هم يمهلون إلى أجل قريب .
وهذه المباغتة جزاء الاستعجال . فلقد كانوا يقولون :
« مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
فكان الرد هو هذه البغتة التي تذهل العقول ، وتشل الإرادة ، وتعجزهم عن التفكير والعمل ، وتحرمهم مهلة الإنظار والتأجيل .
ذلك عذاب الآخرة . فأما عذاب الدنيا فقد حل بالمستهزئين قبلهم . فإذا كانوا هم لم يقدر عليهم عذاب الاستئصال ، فعذاب القتل والأسر والغلب غير ممنوع . وليحذروا الاستهزاء برسولهم . وإلا فمصير المستهزئين بالرسل معروف ، جرت به السنة التي لا تتخلف وشهدت به مصارع المستهزئين .
أم إن لهم من يرعاهم بالليل والنهار غير الرحمن ، ويمنعهم من العذاب في الدنيا أو الآخرة من دون اللّه ؟
« قُلْ : مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ ؟ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ . أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا ؟ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ ، وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ »
.
إن اللّه هو الحارس على كل نفس بالليل والنهار . وصفته هي الرحمة الكبرى ، وليس من دونه راع ولا حام . فاسألهم : هل لهم حارس سواه ؟
وهو سؤال للإنكار ، وللتوبيخ على غفلتهم عن ذكر اللّه ، وهو الذي يكلؤهم بالليل والنهار ، ولا راعي لهم سواه :
« بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ »
.
ثم يعيد عليهم السؤال في صورة أخرى :
« أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا ؟ »
فتكون هي التي تحرسهم إذن وتحفظهم ؟ كلا فهؤلاء الآلهة
« لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ »
فهم من باب أولى لا يستطيعون نصر سواهم .
« وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ »
فيستمدوا القوة من صحبة القدرة لهم - كما استمدها هارون وموسى وربهما يقول لهما :
« إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى »
. .
إن هذه الآلهة مجردة من القوة بذاتها ؛ وليس لها مدد من اللّه تستمد منه القوة . فهي عاجزة عاجزة .
وبعد هذا الجدل التهكمي الذي يكشف عن سخف ما يعتقده المشركون وخوائه من المنطق والدليل . . يضرب السياق عن مجادلتهم ؛ ويكشف عن علة لجاجتهم ؛ ثم يلمس وجدانهم لمسة تهز القلوب ، وهو يوجهها إلى تأمل يد القدرة ، وهي تطوي رقعة الأرض تحت أقدام الغالبين ، وتقص أطرافها فتردهم إلى حيز منها منزو صغير ، بعد السعة والمنعة والسلطان !