تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2377

مساهمون:

ص٢٣٧٧
هنا مع الإشارة إلى الاهتداء يصور الحقيقة الواقعة أولا ، ثم يشير من طرف خفي إلى شأن آخر في عالم العقيدة . فلعلهم يهتدون إلى سبيل يقودهم إلى الإيمان ، كما يهتدون في فجاج الجبال !
« وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً »
. . والسماء كل ما علا . ونحن نرى فوقنا ما يشبه السقف . والقرآن يقرر أن السماء سقف محفوظ . محفوظ من الخلل بالنظام الكوني الدقيق . ومحفوظ من الدنس باعتباره رمزا للعلو الذي تتنزل منه آيات اللّه . .
« وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ »
. .
« وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ »
. والليل والنهار ظاهرتان كونيتان . والشمس والقمر جرمان هائلان لهما علاقة وثيقة بحياة الإنسان في الأرض . وبالحياة كلها . . والتأمل في توالي الليل والنهار ، وفي حركة الشمس والقمر . بهذه الدقة التي لا تختل مرة ؛ وبهذا الاطراد الذي لا يكف لحظة . . جدير بأن يهدي القلب إلى وحدة الناموس ، ووحدة الإرادة ، ووحدة الخالق المدبر القدير . وفي نهاية الشوط يربط السياق بين نواميس الكون في خلقه وتكوينه وتصريفه ؛ ونواميس الحياة البشرية في طبيعتها ونهايتها ومصيرها :
« وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ . أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ؟ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ، وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ، وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ »
. . وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد . فكل حادث فهو فان . وكل ما له بدء فله نهاية . وإذا كان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يموت فهل هم يخلدون ؟ وإذا كانوا لا يخلدون فما لهم لا يعلمون عمل أهل الموتى ؟ وما لهم لا يتبصرون ولا يتدبرون ؟
« كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ »
. هذا هو الناموس الذي يحكم الحياة . وهذه هي السنة التي ليس لها استثناء . فما أجدر الأحياء أن يحسبوا حساب هذا المذاق ! إنه الموت نهاية كل حي ، وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض . وإلى اللّه يرجع الجميع . فأما ما يصيب الإنسان في أثناء الرحلة من خير وشر فهو فتنة له وابتلاء :
« وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً »
. . والابتلاء بالشر مفهوم أمره . ليتكشف مدى احتمال المبتلى ، ومدى صبره على الضر ، ومدى ثقته في ربه ، ورجائه في رحمته . . فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان . . إن الابتلاء بالخير أشد وطأة ، وإن خيل للناس أنه دون الابتلاء بالشر . . إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير . كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف . ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة . ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم الجامحة في أوصالهم . كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل . ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان . وما يغريان به من متاع ، وما يثير انه من شهوات وأطماع !