الليل والنهار . . كن موصولا باللّه على مدار اليوم . .
« لَعَلَّكَ تَرْضى »
. .
إن التسبيح باللّه اتصال . والنفس التي تتصل تطمئن وترضى . ترضى وهي في ذلك الجوار الرضي ؛ وتطمئن وهي في ذلك الحمى الآمن .
فالرضى ثمرة التسبيح والعبادة ، وهو وحده جزاء حاضر ينبت من داخل النفس ويترعرع في حنايا القلب .
اتجه إلى ربك بالعبادة
« وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ »
من عرض الحياة الدنيا ، من زينة ومتاع ومال وأولاد وجاه وسلطان .
« زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا »
التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعة جذابة .
والزهرة سريعة الذبول على ما بها من رواء وزواق . فإنما نمتعهم بها ابتلاء
« لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ »
فنكشف عن معادنهم ، بسلوكهم مع هذه النعمة وذلك المتاع . وهو متاع زائل كالزهرة سرعان ما تذبل
« وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى »
وهو رزق للنعمة لا للفتنة . رزق طيب خير باق لا يذبل ولا يخدع ولا يفتن .
وما هي دعوة للزهد في طيبات الحياة ، ولكنها دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية وبالصلة باللّه والرضى به . فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء ، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا ، وتبقى دائما تحس حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تبهر الأنظار . .
« وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ »
. . فأول واجبات الرجل المسلم أن يحول بيته إلى بيت مسلم ؛ وأن يوجه أهله إلى أداء الفريضة التي تصلهم معه باللّه ، فتوحد اتجاههم العلوي في الحياة . وما أروح الحياة في ظلال بيت أهله كلهم يتجهون إلى اللّه .
« وَاصْطَبِرْ عَلَيْها »
. . على إقامتها كاملة ؛ وعلى تحقيق آثارها . إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .
وهذه هي آثارها الصحيحة . وهي في حاجة إلى اصطبار على البلوغ بالصلاة إلى الحد الذي تثمر فيه ثمارها هذه في المشاعر والسلوك . وإلا فما هي صلاة مقامة . إنما هي حركات وكلمات .
هذه الصلاة والعبادة والاتجاه إلى اللّه هي تكاليفك واللّه لا ينال منها شيئا . فاللّه غني عنك وعن عبادة العباد :
« لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ »
إنما هي العبادة تستجيش وجدان التقوى
« وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى »
. فالإنسان هو الرابح بالعبادة في دنياه وأخراه . يعبد فيرضى ويطمئن ويستريح . ويعبد فيجزى بعد ذلك الجزاء الأوفى .
واللّه غني عن العالمين .
وقرب ختام السورة يعود بالحديث إلى أولئك الكبراء الممتعين المكذبين ، الذين يطلبون إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بعد ما جاءهم بهذا القرآن أن يأتيهم بآية من ربه : هذا القرآن الذي يبين ويوضح ما جاءت به الرسالات قبله :
« وَقالُوا : لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ . أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ؟ »
.
فليس إلا التعنت وإلا المكابرة والرغبة في الاقتراح هي التي تملي مثل هذا الاقتراح وإلا فآية القرآن كافية . وهو يصل حاضر الرسالة بماضيها ، ويوحد طبيعتها واتجاهها ، ويبين ويفصل ما أجمل في الصحف الأولى .
ولقد أعذر اللّه للمكذبين فأرسل إليهم خاتم المرسلين - صلى اللّه عليه وسلم -
« وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى »
. .