من أرض الذل ، وعكفوا على عجل الذهب ؛ وفي بلاهة فكر وبلادة روح قالوا :
« هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى »
راح يبحث عنه على الجبل ، وهو هنا معنا . وقد نسي موسى الطريق إلى ربه وضل عنه ! وهي قولة تضيف إلى معنى البلادة والتفاهة اتهامهم لنبيهم الذي أنقذهم تحت عين اللّه وسمعه ، وبتوجيهه وإرشاده . اتهامهم له بأنه غير موصول بربه ، حتى ليضل الطريق إليه ، فلا هو يهتدي ولا ربه يهديه ! ذلك فضلا على وضوح الخدعة :
« أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ، وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ؟ »
والمقصود أنه حتى لم يكن عجلا حيا يسمع قولهم ويستجيب له على عادة العجول البقرية ! فهو في درجة أقل من درجة الحيوانية . وهو بطبيعة الحال لا يملك لهم ضرا ولا نفعا في أبسط صورة . فهو لا ينطح ولا يرفس ولا يدير طاحونة ولا ساقية ! وغير ذلك كله لقد نصح لهم هارون ، وهو نبيهم كذلك ، والنائب عن نبيهم المنقذ . ونبههم إلى أن هذا ابتلاء . قال :
« يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ »
ونصحهم باتباعه وطاعته كما تواعدوا مع موسى ، وهو عائد إليهم بعد ميعاده مع ربه على الجبل . . ولكنهم بدلا من الاستجابة له التووا وتملصوا من نصحه ، ومن عهدهم لنبيهم بطاعته ، وقالوا :
« لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى »
. .
رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ؛ فسمع منهم حجتهم التي تكشف عن مدى ما أصاب نفوسهم من تخلخل ، وأصاب تفكيرهم من فساد . فالتفت إلى أخيه وهو في فورة الغضب ، يأخذ بشعر رأسه وبلحيته في انفعال وثورة :
« قالَ : يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ ؟ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ؟ »
.
يؤنبه على تركهم يعبدون العجل ، دون أن يبطل عبادته ، اتباعا لأمر موسى - عليه السلام - بألا يحدث أمرا بعده ، ولا يسمح بإحداث أمر . ويستنكر عليه عدم تنفيذه ، فهل كان ذلك عصيانا لأمره ؟
وقد قرر السياق ما كان من موقف هارون . فهو يطلع أخاه عليه ؛ محاولا أن يهدئ من غضبه ، باستجاشة عاطفة الرحم في نفسه :
« قالَ : يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي . إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ : فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي »
.
وهكذا نجد هارون أهدأ أعصابا وأملك لانفعاله من موسى ، فهو يلمس في مشاعره نقطة حساسة . ويجيء له من ناحية الرحم وهي أشد حساسية ، ويعرض له وجهة نظره في صورة الطاعة لأمره حسب تقديره ؛ وأنه خشي إن هو عالج الأمر بالعنف أن يتفرق بنو إسرائيل شيعا ، بعضها مع العجل ، وبعضها مع نصيحة هارون . وقد أمره بأن يحافظ على بني إسرائيل ولا يحدث فيهم أمرا . فهي كذلك طاعة الأمر من ناحية أخرى . .
عندئذ يتجه موسى بغضبه وانفعاله إلى السامري صاحب الفتنة من أساسها . إنما لم يتوجه إليه منذ البدء ، لأن القوم هم المسؤولون ألا يتبعوا كل ناعق ، وهارون هو المسؤول أن يحول بينهم وبين اتباعه إذا هموا بذلك وهو قائدهم المؤتمن عليهم . فأما السامري فذنبه يجيء متأخرا لأنه لم يفتنهم بالقوة ، ولم يضرب على عقولهم ، إنما أغواهم فغووا ، وكانوا يملكون أن يثبتوا على هدى نبيهم الأول ونضح نبيهم الثاني . فالتبعة عليهم أولا وعلى راعيهم بعد ذلك . ثم على صاحب الفتنة والغواية أخيرا .
اتجه موسى إلى السامري !