وهو يذكرهم بهذه النعم ليأكلوا من الطيبات التي يسرها لهم ويحذرهم من الطغيان فيها . بالبطنة والانصراف إلى لذائذ البطون والغفلة عن الواجب الذي هم خارجون له ، والتكليف الذي يعدهم ربهم لتلقيه . ويسميه طغيانا وهم قريبو العهد بالطغيان ، ذاقوا منه ما ذاقوا ، ورأوا من نهايته ما رأوا .
« وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي . وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى »
. . ولقد هوى فرعون منذ قليل . هوى عن عرشه وهوى في الماء . . والهوى إلى أسفل يقابل الطغيان والتعالي . والتعبير ينسق هذه المقابلات في اللفظ والظل على طريقة التناسق القرآنية الملحوظة .
هذا هو التحذير والإنذار للقوم المقدمين على المهمة التي من أجلها خرجوا ؛ كيلا تبطرهم النعمة ، ولا يترفوا فيها فيسترخوا . . وإلى جانب التحذير والإنذار يفتح باب التوبة لمن يخطئ ويرجع :
« وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى »
. .
والتوبة ليست كلمة تقال ، إنما هي عزيمة في القلب ، يتحقق مدلولها بالإيمان والعمل الصالح . ويتجلى أثرها في السلوك العملي في عالم الواقع . فإذا وقعت التوبة وصح الإيمان ، وصدقه العمل فهنا يأخذ الإنسان في الطريق ، على هدى من الإيمان ، وعلى ضمانة من العمل الصالح . فالاهتداء هنا ثمرة ونتيجة للمحاولة والعمل . .
وإلى هنا ينتهي مشهد النصر والتعقيب عليه . فيسدل الستار حتى يرفع على مشهد المناجاة الثانية إلى جانب الطور الأيمن . . .
لقد واعد اللّه موسى - عليه السلام - على الجبل ميعادا ضربه له ليلقاه بعد أربعين يوما ؛ لتلقي التكاليف :
تكاليف النصر بعد الهزيمة . وللنصر تكاليفه ، وللعقيدة تكاليفها ، ولا بد من تهيؤ نفسي واستعداد للتلقي .
وصعد موسى إلى الجبل ، وترك قومه في أسفله ، وترك عليهم هارون نائبا عنه . .
لقد غلب الشوق على موسى إلى مناجاة ربه ، والوقوف بين يديه ، وقد ذاق حلاوتها من قبل ، فهو إليها مشتاق عجول . ووقف في حضرة مولاه . وهو لا يعلم ما وراءه ، ولا ما أحدث القوم بعده ؛ حين تركهم في أسفل الجبل .
وهنا ينبئه ربه بما كان خلفه . . فلنشهد المشهد ولنسمع الحوار :
« وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ؟ قالَ : هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي ، وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى . قالَ : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ »
.
وهكذا فوجئ موسى . . إنه عجلان إلى ربه ، بعد ما تهيأ واستعد أربعين يوما ، ليلقاه ويتلقى منه التوجيه الذي يقيم عليه حياة بني إسرائيل الجديدة . وقد استخلصهم من الذل والاستعباد ، ليصوغ منهم أمة ذات رسالة ، وذات تكاليف .
ولكن الاستعباد الطويل والذل الطويل في ظل الفرعونية الوثنية كان قد أفسد طبيعة القوم وأضعف استعدادهم لاحتمال التكاليف والصبر عليها ، والوفاء بالعهد والثبات عليه ؛ وترك في كيانهم النفسي خلخلة واستعدادا للانقياد والتقليد المريح . . فما يكاد موسى يتركهم في رعاية هارون ويبعد عنهم قليلا حتى تتخلخل عقيدتهم كلها وتنهار أمام أول اختيار . ولم يكن بد من اختبارات متوالية وابتلاءات متكررة لإعادة بنائهم