تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2340

مساهمون:

ص٢٣٤٠
لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ ، مَكاناً سُوىً . قالَ : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى »
. . وهكذا لم يمض فرعون في الجدل ، لأن حجة موسى - عليه السلام - فيه واضحة وسلطانه فيه قوي ، وهو يستمد حجته من آيات اللّه في الكون ، ومن آياته الخاصة معه . . إنما لجأ إلى اتهام موسى بالسحر الذي يجعل العصا حية تسعى ، ويحيل اليد بيضاء من غير سوء . وقد كان السحر أقرب خاطر إلى فرعون لأنه منتشر في ذلك الوقت في مصر ؛ وهاتان الآيتان أقرب في طبيعتهما إلى المعروف من السحر . . وهو تخييل لا حقيقة ، وخداع للبصر والحواس ، قد يصل إلى خداع الإحساس ، فينشئ فيه آثارا محسوسة كآثار الحقيقة . كما يشاهد من رؤية الإنسان لأشياء لا وجود لها ، أو في صورة غير صورتها . وما يشاهد من تأثر المسحور أحيانا تأثرات عصبية وجسدية كما لو كان الأثر الواقع عليه حقيقة . . وليس من هذا النوع آيتا موسى . إنما هما من صنع القدرة المبدعة المحولة للأشياء حقا . تحويلا وقتيا أو دائما .
« قالَ : أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ؟ »
. ويظهر أن استعباد بني إسرائيل كان إجراء سياسيا خوفا من تكاثرهم وغلبتهم . وفي سبيل الملك والحكم لا يتحرج الطغاة من ارتكاب أشد الجرائم وحشية وأشنعها بربرية وأبعدها عن كل معاني الإنسانية وعن الخلق والشرف والضمير . ومن ثم كان فرعون يستأصل بني إسرائيل ويذلهم بقتل المواليد الذكور . واستبقاء الإناث ؛ وتسخير الكبار في الشاق المهلك من الأعمال . . فلما قال له موسى وهارون : أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم . قال :
« أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ؟ »
لأن إطلاق بني إسرائيل تمهيد للاستيلاء على الحكم والأرض . وإذا كان موسى يطلب إطلاق بني إسرائيل لهذا الغرض ، وكل ما يقدمه هو عمل من أعمال السحر ، فما أسهل الرد عليه :
« فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ »
. . وهكذا يفهم الطغاة أن دعوى أصحاب العقائد إنما تخفي وراءها هدفا من أهداف هذه الأرض ؛ وأنها ليست سوى ستار للملك والحكم . . ثم هم يرون مع أصحاب الدعوات آيات ، إما خارقة كآيات موسى ، وإما مؤثرة في الناس تأخذ طريقها إلى قلوبهم وإن لم تكن من الخوارق . فإذا الطغاة يقابلونها بما يماثلها ظاهريا . . سحر نأتي بسحر مثله ! كلام نأتي بكلام من نوعه ! صلاح نتظاهر بالصلاح ! عمل طيب نرائي بعمل طيب ! ولا يدركون أن للعقائد رصيدا من الإيمان ، ورصيدا من عون اللّه ؛ فهي تغلب بهذا وبذاك ، لا بالظواهر والأشكال ! وهكذا طلب فرعون إلى موسى تحديد موعد للمباراة مع السحرة . . وترك له اختيار ذلك الموعد : للتحدي :
« فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً »
وشدد عليه في عدم إخلاف الموعد زيادة في التحدي
« لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ »
. وأن يكون الموعد في مكان مفتوح مكشوف :
« مَكاناً سُوىً »
مبالغة في التحدي ! وقبل موسى - عليه السلام - تحدي فرعون له ؛ واختار الموعد يوم عيد من الأعياد الجامعة ، يأخذ فيه الناس في مصر زينتهم ، ويتجمعون في الميادين والأمكنة المكشوفة ؛
« قالَ : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ »
. وطلب أن يجمع الناس ضحى ، ليكون المكان مكشوفا والوقت ضاحيا . فقابل التحدي بمثله وزاد عليه اختيار الوقت في أوضح فترة من النهار وأشدها تجمعا في يوم العيد . لا في الصباح الباكر حيث لا يكون الجميع قد غادروا البيوت . ولا في الظهيرة فقد يعوقهم الحر ، ولا في المساء حيث يمنعهم الظلام من التجمع أو من وضوح الرؤية . . ! ! وانتهى المشهد الأول من مشاهد اللقاء بين الإيمان والطغيان في الميدان . .