هنا يجيئهما الرد الحاسم الذي لا خوف بعده ، ولا خشية معه :
« قالَ : لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى »
. .
إنني معكما . . إنه القوي الجبار الكبير المتعال . إنه اللّه القاهر فوق عباده . إنه موجد الأكوان والحيوات والأفراد والأشياء بقوله : كن . ولا زيادة . . إنه معهما . . وكان هذا الإجمال يكفي . ولكنه يزيدهما طمأنينة ، ولمسا بالحس للمعونة :
« أَسْمَعُ وَأَرى . . »
فما يكون فرعون وما يملك وما يصنع حين يفرط أو يطغى ؟ واللّه معهما يسمع ويرى ؟
ومع الطمأنينة الهداية إلى صورة الدعوة وطريق الجدال :
« فَأْتِياهُ فَقُولا : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ . فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ . قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى . إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى »
. .
إنه البدء بإيضاح قاعدة رسالتهما :
« إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ »
ليشعر منذ اللحظة الأولى بأن هناك إلها هو ربه .
وهو رب الناس . فليس هو إلها خاصا بموسى وهارون أو ببني إسرائيل ، كما كان سائدا في خرافات الوثنية يومذاك أن لكل قوم إلها أو آلهة ؛ ولكل قبيل إلها أو آلهة . أو كما كان سائدا في بعض العصور من أن فرعون مصر إله يعبد فيها لأنه من نسل الآلهة .
ثم إيضاح لموضوع رسالتهما :
« فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ »
. . ففي هذه الحدود كانت رسالتهما إلى فرعون . لاستنقاذ بني إسرائيل ، والعودة بهم إلى عقيدة التوحيد ، وإلى الأرض المقدسة التي كتب اللّه لهم أن يسكنوها ( إلى أن يفسدوا فيها ، فيدمرهم تدميرا ) .
ثم استشهاد على صدقهما في الرسالة :
« قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ »
تدل على صدقنا في مجيئنا إليك بأمر ربك ، في هذه المهمة التي حددناها .
ثم ترغيب واستمالة :
« وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى »
: فلعله منهم يتلقى السلام ويتبع الهدى .
ثم تهديد وتحذير غير مباشرين كيلا يثيرا كبرياءه وطغيانه :
« إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى »
. . فلعله لا يكون ممن كذب وتولى ! هكذا ألقى اللّه الطمأنينة على موسى وهارون . وهكذا رسم لهما الطريق . ودبر لهما الأمر . ليمضيا آمنين عارفين هاديين .
وهنا يسدل الستار ليرفع . فإذا هما أمام الطاغية في حوار وجدال .
لقد أتيا فرعون - والسياق لا يذكر كيف وصلا إليه - أتياه وربهما معهما يسمع ويرى . فأية قوة وأي سلطان هذا الذي يتكلم به موسى وهارون ، كائنا فرعون ما كان ؛ ولقا أبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه . والمشهد هنا يبدأ بما دار بينه وبين موسى - عليه السلام - من حوار :
« قالَ : فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ! قالَ : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »
. .
إنه لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه ، كما قالا له :
« إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ »
فهو يسأل موجها الكلام إلى موسى لما بدا له أنه هو صاحب الدعوى :
« فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ؟ »
من ربكما الذي تتكلمان باسمه وتطلبان اطلاق بني إسرائيل ؟