والاستسلام .
« وَقُلْ : رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً »
فهي الذكرى الحانية . ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان ، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان . وهو التوجه إلى اللّه أن يرحمهما فرحمة اللّه أوسع ، ورعاية اللّه أشمل ، وجناب اللّه أرحب . وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء .
قال الحافظ أبو بكر البزار - بإسناده - عن بريدة عن أبيه : أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي - صلى اللّه عليه وسلم - هل أديت حقها ؟ قال : لا . ولا بزفرة واحدة .
ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق ، فإنه يعقب على ذلك يرجع الأمر كله للّه الذي يعلم النوايا ، ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال :
« رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ ، إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً »
.
وجاء هذا النص قبل أن يمضي في بقية التكاليف والواجبات والآداب ليرجع إليه كل قول وكل فعل ؛ وليفتح باب التوبة والرحمة لمن يخطئ أو يقصر ، ثم يرجع فيتوب من الخطأ والتقصير .
وما دام القلب صالحا ، فإن باب المغفرة مفتوح . والأوابون هم الذين كلما أخطئوا عادوا إلى ربهم مستغفرين .
ثم يمضي السياق بعد الوالدين إلى ذوي القربى أجمعين ؛ ويصل بهم المساكين وابن السبيل ، متوسعا في القرابات حتى تشمل الروابط الإنسانية بمعناها الكبير :
« وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ، وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ؛ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها ، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً »
.
والقرآن يجعل لذي القربى والمسكين وابن السبيل حقا في الأعناق يوفى بالإنفاق . فليس هو تفضلا من أحد على أحد ؛ إنما هو الحق الذي فرضه اللّه ، ووصله بعبادته وتوحيده . الحق الذي يؤديه المكلف فيبرئ ذمته ، ويصل المودة بينه وبين من يعطيه ، وإن هو إلا مؤد ما عليه للّه .
وينهى القرآن عن التبذير . والتبذير - كما يفسره ابن مسعود وابن عباس - الإنفاق في غير حق . وقال مجاهد :
لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ، ولو أنفق مدّا في غير حق كان مبذرا .
فليست هي الكثرة والقلة في الإنفاق . إنما هو موضع الإنفاق . ومن ثم كان المبذرون إخوان الشياطين ، لأنهم ينفقون في الباطل ، وينفقون في الشر ، وينفقون في المعصية . فهم رفقاء الشياطين وصحابهم
« وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً »
لا يؤدي حق النعمة ، كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدون حق النعمة ، وحقها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق ، غير متجاوزين ولا مبذرين .
فإذا لم يجد إنسان ما يؤدي به حق ذوي القربى والمساكين وابن السبيل واستحيا أن يواجههم ، وتوجه إلى اللّه يرجو أن يرزقه ويرزقهم ، فليعدهم إلى ميسرة ، وليقل لهم قولا لينا ، فلا يضيق بهم صدره ، ولا يسكت ويدعهم فيحسوا بالضيق في سكوته ، ففي القول الميسور عوض وأمل وتجمل .
وبمناسبة التبذير والنهي عنه يأمر بالتوسط في الإنفاق كافة :
« وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً »
. .