في الدرس الماضي ربطت قواعد العمل والجزاء ، والهدى والضلال ، والكسب والحساب . . إلى الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار . وفي هذا الدرس تربط قواعد السلوك والآداب والتكاليف الفردية والاجتماعية إلى العقيدة في وحدة اللّه ، كما تربط بهذه العروة الوثقى جميع الروابط وتشد إليها كل الوشائج ، في الأسرة وفي الجماعة وفي الحياة .
وفي الدرس الماضي ورد
« إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ »
وورد :
« وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا »
.
ففي هذا الدرس يعرض شيئا من أوامر هذا القرآن ونواهيه ، مما يهدي للتي هي أقوم ، ويفصل شيئا مما اشتمل عليه من قواعد السلوك في واقع الحياة .
يبدأ الدرس بالنهي عن الشرك ، وبإعلان قضاء اللّه بعبادته وحده . ومن ثم تبدأ الأوامر والتكاليف : بر الوالدين ، وإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل ، في غير إسراف ولا تبذير . وتحريم قتل الذرية ، وتحريم الزنا ، وتحريم القتل . ورعاية مال اليتيم ، والوفاء بالعهد ، وتوفية الكيل والميزان ، والتثبت من الحق ، والنهي عن الخيلاء والكبر . . . وينتهي بالتحذير من الشرك . فإذا الأوامر والنواهي والتكاليف محصورة بين بدء الدرس وختامه ، مشدودة إلى عقيدة التوحيد التي يقوم عليها بناء الحياة .
« لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا »
.
إنه النهي عن الشرك والتحذير من عاقبته ، والأمر عام ، ولكنه وجه إلى المفرد ليحس كل أحد أنه أمر خاص به ، صادر إلى شخصه . فالاعتقاد مسألة شخصية مسؤول عنها كل فرد بذاته ، والعاقبة التي تنتظر كل فرد يحيد عن التوحيد أن « يقعد » « مذموما » بالفعلة الذميمة التي أقدم عليها ،
« مَخْذُولًا »
لا ناصر له ، ومن لا ينصره اللّه فهو مخذول وإن كثر ناصروه . ولفظ
« فَتَقْعُدَ »
يصور هيئة المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد ، ويلقي ظل الضعف فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزا ، وهو يلقي كذلك ظل الاستمرار في حالة النبذ والخذلان ، لأن القعود لا يوحي بالحركة ولا تغير الوضع ، فهو لفظ مقصود في هذا المكان .