قوم صالح تأخذهم الصيحة مصبحين وهم في ديارهم الحصينة آمنون . فإذا كل شيء ذاهب ، وإذا كل وقاية ضائعة ، وإذا كل حصين موهون . . فما شيء من هذا كله بواقيهم من الصيحة . وهي فرقعة ريح أو صاعقة ، تلحقهم فتهلكهم في جوف الصخر المتين .
وهكذا تنتهي تلك الحلقات الخاطفة من القصص في السورة ، محققة سنة اللّه في أخذ المكذبين عند انقضاء الأجل المعلوم . فتتناسق نهاية هذا الشوط مع نهايات الأشواط الثلاثة السابقة في تحقيق سنة اللّه التي لا ترد ، ولا تتخلف ، ولا تحيد .
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 85 إلى 99 ]
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 86 ) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 )
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 )
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )
تلك السنن العامة التي لا تتخلف ، والتي تحكم الكون والحياة ، وتحكم الجماعات والرسالات ، وتحكم الهدى والضلال ، وتحكم المصائر والحساب والجزاء . والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها ، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات . . تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق اللّه ، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق .
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر ، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما . وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها . وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وقد حملها الرسل قبله . ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق ، صادر عن أن اللّه هو الخالق لهذا الوجود :
« إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ »
. .
فليمض الحق الأكبر في طريقه ، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها ، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :
« فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ »
. . وسنة اللّه ماضية في