« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ . وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ
« 1 »
. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ » . .
وهكذا صدق النذير ، وكان نزول الملائكة إيذانا بعذاب اللّه الذي لا يرد ولا يمهل ولا يحيد .
كذلك كان الحال مع قوم شعيب - أصحاب الأيكة « 2 » - ومع قوم صالح - أصحاب الحجر :
« وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ . وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ . وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ؛ وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ؛ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ؛ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. .
وقد فصل القرآن قصة شعيب مع قومه : أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى . فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب ، في هذا الشوط ، ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة . ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط . والإشارة الواردة هنا . .
« وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ . . »
قد تعني مدين والأيكة ، فهما في طريق واضح غير مندثر ، وقد تعني قرى لوط السالفة الذكر وقرية شعيب ، جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام . ووقوع القرى الداثرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة ، فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي . والحياة تجري من حولها وهي داثرة كأن لم تكن يوما عامرة . والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق ! أما أصحاب الحجر فهم قوم صالح ، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى ، وهي ظاهرة إلى اليوم . فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد ، مما يدل على القوة والأيد والحضارة .
« وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ »
. .
وهم لم يكذبوا سوى رسولهم صالح . ولكن صالحا ليس إلا ممثلا للرسل أجمعين ؛ فلما كذبه قومه قيل :
إنهم كذبوا المرسلين . توحيدا للرسالة وللرسل وللمكذبين . في كل أعصار التاريخ ، وفي كل جوانب الأرض ، على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام .
« وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ »
. .
وآية صالح كانت الناقة . ولكن الآيات في هذا الكون كثير . والآيات في هذه الأنفس كثير . وكلها معروضة للأنظار والأفكار . وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح هي وحدها الآية التي آتاهم اللّه . وقد أعرضوا عن آيات اللّه كلها ، ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا ، ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير .
« وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. .
وهذه اللمحة الخاطفة من الأمن في البيوت الحصينة في صلب الجبال ، إلى الصيحة التي تأخذهم فلا تبقي لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف . . هذه اللمحة تلمس القلب البشري لمسة عنيفة . فما يأمن قوم على أنفسهم أكثر مما يأمن قوم بيوتهم منحوتة في صلب الصخور .
وما يبلغ الاطمئنان بالناس في وقت أشد من اطمئنانهم في وقت الصباح المشرق الوديع . . وها هم أولاء
هامش
( 1 ) طريق باق لم يندثر .
( 2 ) الشجر الملتف الكثيف . وقد أرسل شعيب إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين .