فهذا هو الذي من أجله أسكنهم هناك ، وهذا هو الذي من أجله يحتملون الجدب والحرمان .
« فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ »
. .
وفي التعبير رقة ورفرفة ، تصور القلوب رفافة مجنحة ، وهي تهوي إلى ذلك البيت وأهله في ذلك الوادي الجديب . إنه تعبير نديّ يندّي الجدب برقة القلوب . .
« وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ »
. .
عن طريق تلك القلوب التي ترف عليهم من كل فج . . لما ذا ؟ أليأكلوا ويطعموا ويستمتعوا ؟ نعم ! ولكن لينشأ عن ذلك ما يرجوه إبراهيم الشكور :
« لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ »
. .
وهكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام . . إنه إقامة الصلاة على أصولها كاملة للّه . ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويّها إلى أهل البيت ورزقهم من ثمرات الأرض . . إنه شكر اللّه المنعم الوهاب .
وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة واضحة في موقف قريش جيرة البيت المحرم . . فلا صلاة قائمة للّه ، ولا شكر بعد استجابة الدعاء ، وهويّ القلوب والثمرات ! ويعقب إبراهيم على دعاء اللّه لذريته الساكنة بجوار بيته المحرم لتقيم الصلاة وتشكر اللّه . . يعقب على الدعاء بتسجيله لعلم اللّه الذي يطلع على ما في قلوبهم من توجه وشكر ودعاء . فليس القصد هو المظاهرات والأدعية والتصدية والمكاء . إنما هو توجه القلب إلى اللّه الذي يعلم السر والجهر ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء :
« رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ : وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ »
. .
ويذكر إبراهيم نعمة اللّه عليه من قبل ؛ فيلهج لسانه بالحمد والشكر شأن العبد الصالح يذكر فيشكر :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ »
. .
وهبة الذرية على الكبر أوقع في النفس . فالذرية امتداد . وما أجل الإنعام به عند شعور الفرد بقرب النهاية ، وحاجته النفسية الفطرية إلى الامتداد . وإن إبراهيم ليحمد اللّه ، ويطمع في رحمته :
« إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ »
.
ويعقب على الشكر بدعاء اللّه أن يجعله مديما للشكر . الشكر بالعبادة والطاعة فيعلن بهذا تصميمه على العبادة وخوفه أن يعوقه عنها عائق ، أو يصرفه عنها صارف ، ويستعين اللّه على إنفاذ عزيمته وقبول دعائه :
« رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ . وَمِنْ ذُرِّيَّتِي . رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ »
. .
وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة مرة أخرى في موقف جيرة البيت من قريش . وهذا إبراهيم يجعل عون اللّه له على إقامة الصلاة رجاء يرجوه ، ويدعو اللّه ليوفقه إليه . وهم ينأون عنها ويعرضون ، ويكذبون الرسول الذي يذكرهم بما كان إبراهيم يدعو اللّه أن يعينه عليه هو وبنيه من بعده ! ويختم إبراهيم دعاءه الضارع الخاشع بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين جميعا ، يوم يقوم الحساب ، فلا ينفع إنسانا إلا عمله ؛ ثم مغفرة اللّه في تقصيره :
« رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ »
. .
وينتهي المشهد الطويل : مشهد الدعاء الخاشع الضارع . ومشهد تعداد النعم والشكر عليها . . في إيقاع موسيقي